تصفح برقم المجلد > العدد الخامس - الإصدار : من المحرم إلى جمادى الثانية لسنة 1400هـ > من أبحاث هيئة كبار العلماء > البَلاغة النَّبويَّة وأثرها في النُّفوس > السمات التي يحتاج الأسلوب الخطابي إليها
000000000000000000000000000000000000000000000000000
لاحظ أن الخطبة اشتملت على سمات يحتاجها الأسلوب الخطابي ، ويمتاز به من غيره من الأساليب ، وقد بلغت الخطبة من هذه السمات الخطابية ذروة واضحة وإذا ذهبنا نتبين أبرز هذه السمات ، نجدها كما يلي: 1 - تخصيص الخطاب : ومما تعتمد عليه الخطبة اعتمادا أساسيا التخصيص في الخطاب ، فليس الكلام موجها إلى كل سامع ، وإنما هو موجه إلى الأنصار بالذات ، بحيث يشعرون أن هذا الكلام خاص بهم ، وموجه إليهم ، وهذا أساس هام من الأسس التي يمتاز بها أسلوب الخطابة عن غيره من أساليب الأدب ، فالأسلوب العادي يكفي فيه أن يكون الكلام موجها إلى أي سامع؛ أما الخطابة فلكي تكون مؤثرة ينبغي أن يشعر السامع أنه معني بهذا الكلام بصفة خاصة ، وأن ما يقال موجه إليه دون غيره ، أو قبل غيره على الأقل فهذا الشعور يملأ نفس السامع اهتماما وإصغاء . والخطبة تحفل بتذكير الأنصار بأنهم هم المخاطبون فابتدأت بعبارة " يا معشر الأنصار " ثم تكرر هذا التعبير . وتكرر ذكر الأنصار مرات عديدة ، وكأن الخطبة تراعي أنهم كلما استغرقوا في تعميق المعاني ومتابعة الخطبة ، أعادهم هذا النداء " يا معشر الأنصار " إلى التنبه والتيقظ ، فضلا عن إشعارهم بأنهم المخاطبون والمعنيون .
2 - الأسئلة : ومما تعتمد عليه الخطبة أيضا تكرار توجيه السؤال إلى المخاطبين فإن توجيه الأسئلة إلى السامعين يحقق للخطيب عدة أهداف ، منها أن المسئول دائما في موقف أضعف من موقف السائل ، من حيث إن السؤال يتطلب جوابا ، وليس من المؤكد أن يحسن المسئول كل الإحسان في الإجابة ، وإذا أحسن في بعضها فقد يسيء أو يقصر في بعض آخر ، وضعف موقف المسئول في ظروف الخطابة يهيئ نفسه للاستجابة ، بل إلى الانقياد إذا أحسن الخطيب القياد ، ومما تحققه الأسئلة من أهداف أنها توقظ عقول السامعين ، وتثير حماسهم واهتمامهم للبحث عن إجابة فيما بينهم وبين أنفسهم ، وهذه اليقظة يحتاجها الخطيب ليعوا كلامه وأهدافه ، والواقع أن الخطيب لا ينتظر من السامعين الإجابة ولا يتوقعها بل هو الذي سيجيب عن أسئلته ، لأنها أسئلة هادفة ، صاغها بطريقة معينة في تسلسل وترتيب يؤدي بها عادة إلى إجابة تلقائية يريدها الخطيب .
والخطبة حافلة بالأسئلة العديدة المتنوعة ، بل تكاد الأسئلة تكون أبرز ما فيها فقد استهلها النبي - صلى
(الجزء رقم : 5، الصفحة رقم: 158)
الله عليه وسلم - : مسند أحمد بن حنبل (3/77). ما قالة بلغتني عنكم؟ ثم يواصل الأسئلة : مسند أحمد بن حنبل (3/77). ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ؟" ثم : " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟" وهكذا .
3 - التفريغ النفسي : ومما تعتمد عليه الخطبة تفريغ نفوس المخاطبين مما يثقلها فيما يتعلق بالموقف والموضوع ، وذلك بموافقة المخاطبين في أهم ما يثير نفوسهم ، فالخطبة لا تعارض المخاطبين ولا تخالفهم على طول الخط ، فضلا عن أن تخطئهم من كل وجه أو تسفه موقفهم ، ولو عمدت أي خطبة إلى هذا المسلك ، لما وجدت طريقا واحدا مفتوحا إلى قلوب السامعين . فليس من الحكمة أن يلتزم أي خطيب أسلوب التعارض أو العداء مع المخاطبين ، وإلا لأوصد قلوبهم وعقولهم دون كلامه ، وإنما الحكمة أن يكتسب عواطفهم أولا بأي صورة ، ثم يقودهم إلى الفكرة أو الاتجاه الذي يريد وقد يصل كسب عواطفهم إلى درجة مجاراة السامعين ولو في الخطأ ، من باب الافتراض أو الجدل ثم يدور بهم الخطيب المحاور إلى الطريق المنشود ، بل إن إبراهيم - عليه السلام- بلغ من الحكمة إلى درجة أن جارى سامعيه في الكفر شوطا ، ليعود بهم إلى طريق الإيمان ، لأنه لو عارضهم بادئ ذي بدء فسينفرون منه أما مجاراتهم هذا الشوط فإنها تؤلف بينه وبينهم حيث أصبحوا جميعا في طريق واحد ، هو طريق الكفر في بدايته ، وقد صور القرآن الكريم هذا الموقف من إبراهيم فيما ساقته سورة الأنعام من قوله تعالى: سورة الأنعام الآية 76 فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ .
حيث يوافقهم أولا على أن هذا الكوكب هو الإله ، ليمضي بهم من هذه النقطة الكافرة إلى طريق الإيمان وهكذا .
وهذه الخطبة التي معنا تمتص كل ما في نفوس المخاطبين من غضب وموجدة ، وتفرغ هذه النفوس من كل ما تضيق به بالنسبة لهذا الموقف ، حتى لا يبقى جانب أو هاجس يوسوس فيها مع الخطبة أو بعدها ، فيسلم لهم النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنهم أصحاب فضل عليه وعلى المسلمين ويعدد لهم كل ما في نفوسهم أو أكثر مما في نفوسهم من هذا الفضل ، ويسلم لهم ضمنا بأنه أعطى أكثر مما أعطاهم لمن هم دونهم إسلاما وفضلا ، ويسلم لهم ضمنا بغير هذا أيضا ، وهذه الأمور التي يسلم لهم بها ويوافقهم عليها هي ما تشغل نفوسهم ، وتثير مشاعرهم ، ولكن هذا التسليم يطفئ كل ما في نفوسهم من حرارة وتوتر ، ويجرهم إلى قياده ، ولو بقي أمر ذو أهمية يقتنعون به ويخالفهم فيه الخطيب من أساسه دون إقناعهم لظلت نفوسهم في هواجسها ، ولكن الخطبة تفرغ كل ما في النفوس ، مسلمة به من حيث المبدأ ولكنها تقودهم مع ذلك إلى الطريق المنشود ، وكأنه بقوله لهم : أنا مسلم بما تقولون فلست مكذبا لكم ، ولا منكرا عليكم هذا ، وإنما أنكر
(الجزء رقم : 5، الصفحة رقم: 159)
عليكم ألا تحاولوا فهم الحكمة من وراء ما أفعل .
4 - الشمول : ومما يعتمد عليه نجاح أي خطبة شمولها واستيعابها لجوانب الموضوع ، وموقف كموقف الأنصار الذي تعددت فيه العوامل والهواجس ، يحتاج فيه السامعون إلى إجابة عن عدة أسئلة ماثلة في النفوس ولو بقي سؤال واحد لم تعالجه الخطبة لبقيت في النفوس بعض الهواجس والوساوس .
ومن هذه الأسئلة الماثلة في نفوس الأنصار أو نفوس كثير منهم:
لماذا أعطى الرسول أغلبية الناس من الغنائم أكثر مما أعطى الأنصار ؟
وهل سيعود الرسول مع الأنصار إلى المدينة أم يستقر في مكة ؟
وهل هناك علاقة بين الأنصبة والإيمان ، بمعنى أن كثرة النصيب تدل على الإيمان والعكس بالعكس ، أم لا توجد بينهما علاقة؟
وهل غضب الأنصار من أجل الغنائم سيترك أثرا في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم- أم سيظل راضيا عنهم ، محبا لهم؟
وقد رأينا فيما سبق كيف أن الخطبة استوعبت كل هذه الجوانب ، فأجابت عنها إجابة شاملة مقنعة ، ملأت نفوس الأنصار راحة واطمئنانا ورضا ، حتى بلغوا من تأثرهم أن تبللت لحاهم بالدموع ، ولو بقي شيء من هذه التساؤلات دون أن تناقشه الخطبة أو تجيب عنه لبقيت نفوسهم مهومة بعض التهويم في آفاق التردد والتساؤل .
5 - الإقناع : ومما يعتمد عليه نجاح الخطبة الإقناع ، بمعنى أن يكون منطق الخطيب مقنعا ، قوي الحجة ، فمن الواضح أن عدم اقتناعهم يفقد الخطبة تأثيرها وقيمتها ، حيث لا يتحقق للخطيب ما يهدف إليه من استجابة السامعين .
وفي هذه الخطبة نجد الإقناع يبلغ قمة ما يرجى منه ، حيث لا يترك مجالا للتردد أو التساؤل ، فضلا عن الخلاف والمعارضة ، ويمكن أن نلتمس أبرز جوانب الإقناع فيما يأتي .
1 - اعتمدت الخطبة على المعاني والجوانب العامة التي يسلم بها الأنصار جميعا مهما تفاوتوا في التفكير أو السن أو حتى درجة التدين ، دون الدخول في التفاصيل التي تحتمل الجدل والنقاش .
(الجزء رقم : 5، الصفحة رقم: 160)
2 - أغلق النبي - صلى الله عليه وسلم- باب الجدل والخلاف حين سلم للأنصار تسليما كاملا ، بأهم نقطة اعتمد عليها موقفهم كله ، وهي فضلهم في الإسلام ، وأياديهم الطولى على المسلمين ، فقد كان هذا الشعور في نفوس الأنصار هو مثار الفتنة ، حيث حسبوا أن أفضليتهم في الإسلام تقتضي زيادة أنصبتهم من الغنائم ، فاعترف لهم النبي بأفضليتهم في صورة لعلها أكبر بكثير مما راود نفوسهم ، ولكنه علمهم أن الإيمان شيء ، ومتاع الدنيا شيء آخر .
00000000000000000000000000000000000000
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaD...ookID=2&%23P51