تصفح برقم المجلد > العدد الخامس - الإصدار : من المحرم إلى جمادى الثانية لسنة 1400هـ > من أبحاث هيئة كبار العلماء > البَلاغة النَّبويَّة وأثرها في النُّفوس > الطابع الأدبي الواضح في الخطبة
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومع أن كثيرا مما سبق يعتبر في حقيقته مزايا أدبية ، إلا أننا نشير هنا إلى الطابع الأدبي الواضح في أسلوب الخطبة من حيث إنه كلام أدبي بصرف النظر عن كونه خطبة أو غير خطبة . ومن هذه المزايا الأدبية:
1 - الإيجاز : فمن الواضح في الخطبة هذا الإيجاز المستوعب ، فإننا لو تأملنا لوجدناها تعرض مجملا لتاريخ الإسلام في مكة ، وفي المدينة خلال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم- ثم جوانب من الخلق العظيم الذي تحلى به صلوات الله عليه ، ومن آثاره هذا الوفاء العظيم الذي يحمله للأنصار ، وكل ذلك تعرضه الخطبة واضحا مفصلا في هذا الإيجاز البليغ .
2 - تحديد العناصر : ومن الواضح في الخطبة تحديد عناصرها ، وعدم تداخل هذه العناصر أو تكرار شيء منها ، وهذا التمايز بين العناصر يعين السامع على حسن الاستيعاب ، ويجعل المعاني واضحة بارزة مؤثرة .
3 - تجسيد المعاني : ومن أهم ما يتميز به الطابع الأدبي للخطبة تصويرها للمعاني في قوالب تجعلها مجسدة في ذهن السامع ، وكأنها حينئذ ليست معاني فحسب ، وإنما هي شخوص ماثلة أو مناظر محددة مرئية ، ومن ذلك حديثه عن الغنائم التي أثارت الموجدة في نفوسهم فلم يذكرها قط حينئذ بأنها غنائم أو مال أو نحو ذلك ، وإنما كان كل حديثه عنها بأنها مسند أحمد بن حنبل (3/77). لعاعة من الدنيا والسامعون يعرفون أن اللعاعة بضم اللام نبات ضعيف صغير ، فتمحى من أذهانهم صورة الغنائم ببريقها وإغرائها ، ولا يبقى فيها إلا صورة هذا النبات الضعيف الذي لا يستحق التنافس عليه .
(الجزء رقم : 5، الصفحة رقم: 161)
ومن تجسيد المعاني في الخطبة هذه المقارنة بين نصيب الأنصار وغيرهم من سائر الناس ، والمقارنة حقيقية وواقعية ، ولكن الطريف المثير هو تصويرها ، فقد صور النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار في جانب والناس في جانب ، وقد أخذوا جميعا نصيبهم فأما الأنصار فكان نصيبهم شخص النبي نفسه . فأخذوه ورجعوا به إلى رحالهم ، وأما أنصبة الناس فكانت شياها وبعرانا ، هذا يعود إلى رحله بشاة ، وذلك يعود ببعير ، ولنتأمل أي روعة بيانية ، وأي تأثير عاطفي ، تثيره هذه المقارنة في نفوس الأنصار حين يتصورون مجرد تصوير ، هذه المقابلة بين نصيبهم العظيم ، وتفاهة أي نصيب آخر حينئذ مهما عظم .
ومن هذا التجسيد للمعاني تعبيره - صلى الله عليه وسلم- عن ميله للأنصار وإيثاره لصحبتهم على صحبة سائر الناس ، فقد جسدت الخطبة صورة أخرى من صور المقارنة بين الأنصار وغيرهم افتراضا . فالأنصار وحدهم في طريق ، والناس جميعا يسلكون طريقا آخر ، وإذا النبي يؤثر طريق الأنصار على كل طريق آخر وهذه مقابلة أخرى ترتسم مجسمة في نفوس الأنصار ، حين يتمثلون أنفسهم في طريق خاصة بهم ، وقد انحاز إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم- والناس جميعا محرومون مما حظي به الأنصار .
والخطبة بعد ذلك مليئة بالأساليب البلاغية والصور الفنية الرائعة .
لاحظ الاستفهام في " ألم آتكم ضلالا إلخ " وغرضه التقريري:
ولاحظ التوافق الموسيقي في تقسيم الجمل ، وما فيها من مقابلات مسند أحمد بن حنبل (3/77). ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله . . إلخ .
وكيف أسند الهداية والغنى وتأليف القلوب إلى الله ، مع أنه يبين موقفه منهم: إنه يشير بهذا إلى أن ذلك فضل الله ، وأنه بشر مثلهم ، ولكنه يتصرف بإلهام منه ، واستهداف لرضاه .
وفي الخطبة من أساليب التأكيد اللازمة للإقناع مثل " أما والله- فوالذي نفس محمد بيده . . إلخ " . وفي التعبير بلفظ " معشر " في " يا معشر الأنصار " استمالة لهم وإشعار بأنهم معشره وهو منهم .
وفي " والذي نفس محمد بيده " كناية عن الله سبحانه .
هكذا نرى الهدي النبوي في أروع صوره ، ونتمثل بلاغته في قمة إعجازها ، ونستجلي حكمته البالغة في المثل الصائب ، والحجة المقنعة ، والكياسة الرشيدة ، والقيادة الحكيمة لأزمة النفوس الشاردة ، وأعنة القلوب الجامحة . . . صلى الله عليك يا خاتم الأنبياء ، وأفصح الفصحاء .
00000000000000000000000000000000000000
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaD...ookID=2&%23P51