عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 17-10-2007, 15:05:24
صورة رمزية aboanas
  aboanas aboanas غير موجود حالياً
مشـرف القسم الإسلامي
 
مسكي  وسام النشاط  وسام التميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 5,298
aboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذ
aboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذaboanas بضياء أخاذ

المستوى: بضياء أخاذ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -
00000000000000000000000000000000000000000



ومثل ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه ، روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صحيح مسلم المساقاة (1605) ، سنن الترمذي البيوع (1267) ، سنن أبو داود البيوع (3447) ، سنن ابن ماجه التجارات (2154) ، مسند أحمد بن حنبل (6/400) ، سنن الدارمي البيوع (2543). لا يحتكر إلا خاطئ فإن المتحكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين ، ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه ، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة ، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ، ولهذا قال الفقهاء من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره .

ومن هنا يتبين أن التسعير منه ما هو ظلم لا يجوز ، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 63)

وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه ، أو منعهم مما أباحه الله لهم ، فهو حرام ، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز ، بل واجب .

فأما الأول فمثل ما روى أنس قال: سنن الترمذي البيوع (1314) ، سنن أبو داود البيوع (3451) ، سنن ابن ماجه التجارات (2200) ، مسند أحمد بن حنبل (3/156) ، سنن الدارمي البيوع (2545). غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله ، لو سعرت؟

فقال : إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال رواه أبو داود والترمذي وصححه .

فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء ، وإما لكثرة الخلق ، فهذا إلى الله ، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق .

وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل ، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به .

وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم ، ثم يبيعونها هم ، فلو باع غيرهم ذلك منع ، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع ، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد ، فهاهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه ، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال ، وظلما للمشترين منهم ، والواجب إذا لم يكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه ، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع ، وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل .

وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة ، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق ، يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة ، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير ، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر ، ونظائره كثيرة .

وكذلك السراية في العتق كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : من أعتق شركا له في عبد وكان له من

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 64)

المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق .

وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات ، كآلة الحج ، ورقبة العتق ، وماء الطهارة؛ فعليه أن يشتريه بقيمة المثل ، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار . وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام ، أو اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل ، لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره ، ونظائره كثيرة؛ ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا لأنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر ، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى ، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا ، فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضا .

فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف ، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف ، وينموا ما يشترونه ، كان هذا أعظم عدوانا من تلقي السلع ، ومن بيع الحاضر للبادي ، ومن النجش ، ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل ، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه ، وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس ، فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل ، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة .

ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس ، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة ، والنساجة ، والبناية؛ فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه ، وثياب يلبسونها ، ومساكن يسكنونها ، فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه ، فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب ، ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم ، وإما من زرع بلدهم ، وهذا هو الغالب وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها ، فيحتاجون إلى البناء ، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية ، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها ، كما أن الجهاد فرض على الكفاية ، إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان ، مثل أن يقصد العدو بلدا ، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدا .

وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين ، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 65)

به وما نهاه عنه ، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226). من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وكل من أراد الله به خيرا لا بد أن يفقهه في الدين ، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرا ، والدين ما بعث الله به رسوله ، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به ، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به ، ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة ، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا ، وإذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة ، وكذلك غسل الموتى ، وتكفينهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم؛ فرض على الكفاية .

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية ، والولايات كلها: الدينية ، مثل إمرة المؤمنين وما دونها من ملك ، ووزارة ، وديوانية ، سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج ، أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم ، ومثل إمارة حرب ، وقضاء ، وحسبة ، وفروع هذه الولايات ، إنما شرعت للأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .

وكان رسول -صلى الله عليه وسلم- في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ، ويولي في الأماكن البعيدة عنه ، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص ، وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى إلى اليمن ، وكذلك كان يؤمر على السرايا ، ويبعث على الأموال الزكوية السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن ، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط ، لا يأتي إلى -النبي صلى الله عليه وسلم- بشيء إذا وجد لها موضعا يضعها فيه . وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستوفي الحساب على العمال ، يحاسبهم على المستخرج والمصروف ، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي صحيح البخاري الحيل (6979) ، صحيح مسلم الإمارة (1832) ، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2946) ، مسند أحمد بن حنبل (5/424) ، سنن الدارمي الزكاة (1669). أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقات ، فلما رجع حاسبه . فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي ؟ ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ ، والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرا له رغاء ، وإن كانت بقرة لها خوار ، وإن كانت شاة تيعر ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت؟ ، اللهم هل بلغت؟ . قالها مرتين أو ثلاثا .


(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 66)

والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه ، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها ، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم ، أو نساجتهم ، أو بنائهم؛ صار هذا العمل واجبا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم ، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم ، فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند .

والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء ، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم ، وعهد خلفائه الراشدين ، وعليها عمل آل أبي بكر ، وآل عمر ، وآل عثمان ، وآل علي ، وغيرهم من بيوت المهاجرين ، وهي قول أكابر الصحابة ، كابن مسعود ، وهي مذهب فقهاء الحديث ، كأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي ، والبخاري ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وأبي بكر بن المنذر ، وغيرهم ، ومذهب الليث بن سعد ، وابن أبي ليلى ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وغيرهم من فقهاء المسلمين ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ، ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر من خيبر ، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم ، وكان البذر منهم لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل ، بل طائفة من الصحابة قالوا لا يكون البذر إلا من العامل .

والذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من المخابرة ، وكراء الأرض ، قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ، ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء ، وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة ، فإن هذا لا يجوز بالاتفاق ، لأن المعاملة مبناها على العدل ، وهذه المعاملات من جنس المشاركات ، والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف ، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا ، بل كان ظلما .

وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول ، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها ، ثم منهم من حرم المساقاة ، والمزارعة ، وأباح المضاربة استحبابا للحاجة ، لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة ، ومنهم من أرباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي ، أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي ، لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض ، وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة ، فأباحوا المزارعة تبعا للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب ، أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك ، وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل ، فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع ، وهما

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 67)

متشاركان ، وهذا ببدنه ، وهذا ببدنه ، وهذا بماله ، كالمضاربة .

ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل ، فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه ، كما جرت العادة في مثل ذلك ، ولا يجب أجرة مقدرة ، فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه ، وإنما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح ، والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة ، بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك ، والمزارعة آصل من المؤاجرة ، وأقرب إلى العدل والأصول ، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم ، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل ، والعلماء مختلفون في جواز هذا ، وجواز هذا ، والصحيح جوازهما .

وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة ، وما علمت أحدا من علماء المسلمين- لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم- قال: إن إجارة الإقطاع لا تجوز ، وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا ، لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول ، قالوا: لأن المقطع لا يملك المنفعة ، فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المستعارة ، وهذا القياس خطأ لوجهين :

أحدهما : أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له ، وإنما تبرع له المعير بها ، وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين ، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير ، والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى ، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء ، فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى .

الثاني : أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة مثل الإجارة في الاقطاع ، وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة ، وإنما أقطعهم لينتفعوا بها ، إما بالمزارعة وإما بالإجارة ، ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم ، فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة ، وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام ، والمرابعة نوع من المزارعة ، ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها ، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس ، لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء ، بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم ، فهو أقرب إلى العدل ، فلهذا تختاره الفطر السليمة ، وهذه المسائل لبسطها موضع آخر .

والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل ، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 68)

ذلك ، ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل ، وهذا من التسعير الواجب ، وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل ، لا يمكن المستعملون من ظلهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم ، فهذا تسعير في الأعمال .

وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون ، والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : صحيح البخاري الحج (1834) ، صحيح مسلم الحج (1353) ، سنن الترمذي السير (1590) ، سنن النسائي البيعة (4170) ، سنن أبو داود الجهاد (2480) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2773) ، مسند أحمد بن حنبل (1/316) ، سنن الدارمي السير (2512). وإذا استنفرتم فانفروا أخرجاه في الصحيحين ، وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال : صحيح البخاري الجهاد والسير (2955) ، صحيح مسلم الإمارة (1839) ، سنن الترمذي الجهاد (1707) ، سنن أبو داود الجهاد (2626) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2864) ، مسند أحمد بن حنبل (2/142). على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ، ومنشطه ومكرهه ، وأثرة عليه .

فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله ، فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن ، وقد قال الله تعالى : سورة التغابن الآية 16 فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (7288) ، صحيح مسلم الحج (1337) ، سنن الترمذي العلم (2679) ، سنن النسائي مناسك الحج (2619) ، سنن ابن ماجه المقدمة (2) ، مسند أحمد بن حنبل (2/508). إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجاه في الصحيحين ، فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال ، كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن ، ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب الجهاد على المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض .

ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم؛ لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت ، كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا ولا خبزا ، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم ، فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير ، وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين ، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : سنن ابن ماجه التجارات (2153) ، سنن الدارمي البيوع (2544). الجالب مرزوق والمحتكر ملعون وقال : صحيح مسلم المساقاة (1605) ، سنن الترمذي البيوع (1267) ، سنن أبو داود البيوع (3447) ، سنن ابن ماجه التجارات (2154) ، مسند أحمد بن حنبل (6/400) ، سنن الدارمي البيوع (2543). لا يحتكر إلا خاطئ رواه مسلم في صحيحه ، وما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه نهى عن قفيز الطحان فحديث ضعيف بل باطل ، فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك ، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا ، لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد .

ولهذا لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة ، لعجز الصحابة عن فلاحتها ،

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 69)

لأن ذلك يحتاج إلى سكناها ، وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة ، وكانوا نحو ألف وأربعمائة ، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر ، فهؤلاء هم الذين قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم أرض خيبر ، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم ، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: صحيح البخاري المزارعة (2338) ، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3008). نقركم فيها ما شئنا - وفي رواية - ما أقركم الله وأمر بإجلائهم منها عند موته -صلى الله عليه وسلم- فقال : صحيح مسلم الجهاد والسير (1767) ، سنن الترمذي السير (1607) ، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3030) ، مسند أحمد بن حنبل (1/29). أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب .

ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم ، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر ، وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه .

والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين:

أحدهما : أن يحتاجوا إلى صناعتهم ، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت ، فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع .

والثاني : أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع ، فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا ، لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق ، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما ، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين ، كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح ، سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل ، وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أوحيوانا ، وسواء كان مسافرا ينقل ذلك من بلد إلى بلد ، أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق ، أو كان مديرا يبيع دائما ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجارة ، وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم ، أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه ، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس .
000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين:

إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك .

وهل يمنع النقصان؟

على قولين لهم . وأما الشافعي وأصحاب أحمد كأبي حفص العكبري ، والقاضي أبي يعلي ،

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 70)

والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب ، وابن عقيل وغيرهم فمنعوا من ذلك .

واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف ، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق ، فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا .

وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال: حدثنا الدراوردي ، عن داود بن صالح التمار ، عن القاسم بن محمد ، عن عمر : أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب ، فسأله عن سعرهما ؟ فسعر له مدين لكل درهم .

فقال له عمر : قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك .

فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت .

فلما رجع عمر حاسب نفسه ، ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء ، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد ، فحيث شئت فبع ، وكيف شئت فبع .

قال الشافعي : هذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ، ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه ، وهذا أتى بأول الحديث وآخره ، وبه أقول ، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم ، إلا في المواضع التي تلزمهم ، وهذا ليس منها قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي : الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس ، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور ، لأن المراعى حال الجمهور ، وبه تقوم المبيعات .

وروى ابن القاسم عن مالك لا يقام الناس لخمسة . قال : وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق ، وهل يقام من زاد في السوق- أي في قدر المبيع- بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن بن القصار المالكي : اختلف أصحابنا في قول مالك ، ولكن من حط سعرا ، فقال البغداديون : أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية ، وقال قوم من المصريين : أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة . قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان ، لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم ، فربما أدى إلى الشغب والخصومة ففي منع الجميع مصلحة ، قال أبو الوليد : ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق .

وأما الجالب ففي كتاب محمد : لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس ، وقال ابن حبيب : ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا ، قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق ، إن أرخص بعضهم تركوا ، وإن كثر المرخص قيل لمن

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 71)

بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا .

قال ابن حبيب : وهذا في المكيل والموزون مأكولا أو غير مأكول ، دون ما لا يكال ولا يوزن لأن غيره لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه . قال أبو الوليد : يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا ، فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون .
00000000000000000000000000000000000000000000
تصفح برقم المجلد > العدد السادس - الإصدار : من ربيع الثاني إلى جمادى الثانية لسنة 1402هـ > البحوث > أبحاث هيئة كبار العلماء > حكم التسعير > المسألة الرابعة بيان ما يدخله التسعير من المبيعات > تنازع العلماء في التسعير في مسألتين > الثانية أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب

قلت: والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب .

فهذا منع منه جمهور العلماء ، حتى مالك نفسه في المشهور عنه ، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد ، وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وعن يحيي بن سعيد أنهم أرخصوا فيه ، ولم يذكر ألفاظهم .

وروى أشهب بن مالك ، في صاحب السوق يسعر على الجزارين ، لحم الضأن ثلث رطل ، ولحم الإبل نصف رطل ، وإلا خرجوا من السوق . قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق .

واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا فساد عليهم ، قالوا: ولا يجبر الناس على البيع ، إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري ، ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس .

وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنه قال: سنن أبو داود البيوع (3450) ، مسند أحمد بن حنبل (2/337). جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له يا رسول الله ، سعر لنا فقال: بل ادع الله ثم جاء رجل فقال رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة .

قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب ، أو منعهم مما يباح شرعا: ظلم لهم ، والظلم حرام .

وأما صفة ذلك عند من جوزه ، فقال ابن حبيب : ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم ، فيسألهم : كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 72)

فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ، ولا يجبرون على التسعير ، ولكن عن رضا . قال وعلى هذا أجازه من أجازه . قال أبو الوليد : ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ، ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس .

قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء .

وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه ، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه ، فهنا يؤمر بما يجب عليه ، ويعاقب على تركه بلا ريب .

ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : سنن الترمذي البيوع (1314) ، سنن أبو داود البيوع (3451) ، سنن ابن ماجه التجارات (2200) ، مسند أحمد بن حنبل (3/286) ، سنن الدارمي البيوع (2545). إن الله هو المسعر القابض الباسط ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال فقد غلط فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما ، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه ، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل .

ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم ، والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب ، وقد يباع فيها شيء يزرع فيها ، وإنما كان يزرع فيها الشعير ، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسا معينين ، ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله ليجبر على عمل أو على بيع ، بل المسلمون كلهم من جنس واحد ، كلهم يجاهدون في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو ، وكل منهم يغزو بنفسه وماله ، أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء ، أو ما يجهزه به غيره ، وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق ، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز .

وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه ، كما في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : صحيح البخاري العتق (2522) ، صحيح مسلم الأيمان (1501) ، سنن الترمذي الأحكام (1346) ، سنن النسائي البيوع (4699) ، سنن أبو داود العتق (3940) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2528) ، مسند أحمد بن حنبل (2/11) ، موطأ مالك العتق والولاء (1504). من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط ، ويعطي قسطه من القسمة ، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء ، كمالك وأبي حنيفة وأحمد ، ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 73)

البيع ، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا ، لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ، ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع ، فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك ، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة ، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك .

وهذا الذي أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير ، وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به ، لا بزيادة للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة ، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء ، وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة ، لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد ، فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء ، بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به ، وهذا في الحقيقة من نوع التولية ، فإن التولية أن يعطي المشترى السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل ، ومع ها فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء إذ لا حاجة بذلك إلى شرائه كحاجة الشريك .

فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم ، وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابا يستدفئون بها من البرد ، أو إلى آلات يطبخون بها ، أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا ، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به ، أو قدرا يطبخون فيها ، أو فأسا يحفرون به ، فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة ؟ .

فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره ، والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها ، كما دل عليه الكتاب والسنة ، قال الله تعالى : سورة الماعون الآية 4 فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ سورة الماعون الآية 5 الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ سورة الماعون الآية 6 الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ سورة الماعون الآية 7 وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد " الماعون" عارية الدلو والقدر والفأس .

وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لما ذكر الخيل قال : صحيح البخاري المساقاة (2371) ، صحيح مسلم الزكاة (987) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1636) ، سنن النسائي الخيل (3563) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2788) ، مسند أحمد بن حنبل (2/384) ، موطأ مالك كتاب الجهاد (975). هي لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : صحيح مسلم الزكاة (988) ، سنن النسائي الزكاة (2454) ، سنن الدارمي الزكاة (1616). من حق الإبل إعارة دلوها وأضراب فحلها وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه صحيح البخاري الإجارة (2284) ، سنن الترمذي البيوع (1273) ، سنن النسائي البيوع (4671) ، سنن أبو داود البيوع (3429) ، مسند أحمد بن حنبل (2/14). نهى عن عسب الفحل وفي الصحيحين عنه أنه قال : سنن ابن ماجه الأحكام (2336) ، مسند أحمد بن حنبل (3/480). لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره .


(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 74)

ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض ، فهل يجبر؟ ، على قولين للعلماء ، هما روايتان عن أحمد ، والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للممتنع: والله لتجرينها ولو على بطنك . ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته ، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره .

والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال ، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي ، ومنها ما يجب لحاجة الناس .

وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم ، وإفتاء الناس وأداء الشهادة والحكم بينهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج ، وقد قال تعالى : سورة البقرة الآية 282 وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وقال : سورة البقرة الآية 282 وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ من وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال ، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره .

أحدها: أنه لا يجوز مطلقا .

والثاني : لا يجوز إلا عند الحاجة .

والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه .

والرابع: يجوز ، فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء ، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر .

والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر ، إما بثمن المثل ، وإما بالثمن الذي اشتراه به ، لم يحرم مطلقا تقدير الثمن ، ثم إن ما قدر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية وذلك حق الله ، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله ، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى ، وحدودا لله ، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم ، وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء ، والصدقات ، والوقف على أهل الحاجات ، والمنافع العامة ونحو ذلك ، ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر ، فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء ، وليس لورثة المقتول العفو عنه ، بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص ، مثل خصومة بينهما ، فإن هذا حق لأولياء المقتول ، إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا عفوا ، باتفاق المسلمين وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة ، ليس الحق فيها لواحد بعينه ، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية ، لكن

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 75)

تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق ، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء ، وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم ، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم .

ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع ، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي ، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل .

وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ، ولهم فيه وجهان .

وقال أصحاب أبي حنيفة : لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار ، فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه ، زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس ، فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وإذا تعدى أحد بعدما فعل ذلك أجبره القاضي ، وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر ، حيث لا يرى الحجر على الحر ، وكذا عندهما ، أي عند أبي يوسف ومحمد ، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين ، ومن باع منهم بما قدره الإمام صح ، لأنه غير مكره عليه .

وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟ ، قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون ، وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق ، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام . والسعر لما غلا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه التسعير فامتنع ، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه ، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق ، لكن نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد ، نهاه أن يكون له سمسارا وقال : صحيح مسلم البيوع (1522) ، سنن الترمذي البيوع (1223) ، سنن أبو داود البيوع (3442) ، سنن ابن ماجه التجارات (2176) ، مسند أحمد بن حنبل (3/392). دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وهذا ثابت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه ، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة ، لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري ، فنهاه عن التوكل له -مع أن جنس الوكالة مباح- لما في ذلك من زيادة السعر على الناس .

سنن النسائي البيوع (4499). ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الجلب ، وهذا أيضا ثابت في الصحيح من غير وجه ، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار ، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه ، فأثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- الخيار لهذا البائع ، وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا أو إذا غبن؟ ، قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد ، أظهرها أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن ، والثاني يثبت له الخيار

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 76)

مطلقا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي .

وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه ، وفي الجملة فقد نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل ، ويعلم المشتري بالسلعة وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول ، وللبادي أن يوكل الحاضر .

ولكن الشارع رأى المصلحة العامة ، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غارا له ، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل ، والمسترسل: الذي لا يماكس الجاهل بقيمة المبيع ، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر ، فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف ، وهو ثمن المثل ، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع ، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له ، والبيع يعتبر فيه الرضا ، والرضا يتبع العلم ، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى ، فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك ، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه .

ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس ، فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر ، فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك ، فإذا تبين أن في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى ، فإن رضي وإلا فسخ البيع وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: صحيح البخاري البيوع (2110) ، صحيح مسلم البيوع (1532) ، سنن الترمذي البيوع (1246) ، سنن النسائي البيوع (4464) ، سنن أبو داود البيوع (3459) ، مسند أحمد بن حنبل (3/402) ، سنن الدارمي البيوع (2547). البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ، وفي السنن أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره ، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل ، فأذن لصاحب الأرض في قلعها ، وقال لصاحب الشجرة : إنما أنت مضار فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها ، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري .

وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام ؟ .

ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز ، ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك ، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها ، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك ، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل ، كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها ، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده ، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى ، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر

(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 77)

الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم ، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير ، وإما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل ، لا وكس ، ولا شطط مجموع فتاوى شيخ الإسلام \ 28 \ 75 وما بعدها . انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى - .
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaD...No=1&BookID=2&


التوقيع
[align=center]

[align=center]_________________________________

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيمـ[/align][/align]
رد باقتباس