تصفح برقم المجلد > العدد السادس - الإصدار : من ربيع الثاني إلى جمادى الثانية لسنة 1402هـ > البحوث > أبحاث هيئة كبار العلماء > حكم التسعير > المسألة الرابعة بيان ما يدخله التسعير من المبيعات > رأي ابن القيم رحمه الله تعالى في تحديد أجور العقارات
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: هامش ص 244 من الطرق الحكمية .
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم . ومنه ما هو عدل جائز .
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه ، أو منعهم مما أباح الله لهم . فهو حرام . وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل . فهو جائز ، بل واجب .
فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال : سنن الترمذي البيوع (1314) ، سنن أبو داود البيوع (3451) ، سنن ابن ماجه التجارات (2200) ، مسند أحمد بن حنبل (3/286) ، سنن الدارمي البيوع (2545). غلا السعر على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله ، لو سعرت لنا؟ .
فقال: إن الله هو القابض الرازق ، الباسط المسعر . وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال رواه أبو داود والترمذي وصححه .
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم ، وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله . فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها: إكراه بغير حق .
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها ، مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل . ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل . والتسعير هاهنا إلزام - بالعدل الذي ألزمهم الله به .
فصل : ومن أقبح الظلم: إيجار الحانوت على الطريق ، أو في القرية ، بأجرة معينة على أن لا يبيع أحد غيره- فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر . وهو نوع من أخذ أموال الناس قهرا ، وأكلها بالباطل . وفاعله قد تحجر واسعا . فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته . كما حجر على الناس فضله ورزقه .
فصل:
ومن ذلك: أن يلزم الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم ، ثم يبيعونها هم بما يريدون . فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب . فهذا من البغي في الأرض والفساد ، والظلم الذي يحبس به قطر السماء . وهؤلاء يجب التسعير عليهم ، وأن لا
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 78)
يبيعوا إلا بقيمة المثل ، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل ، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء . لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه ، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس : ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع ، وظلما للمشترين منهم .
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع . وحقيقته: إلزامهم بالعدل ، ومنعهم من الظلم . وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق ، فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق ، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة ، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس ، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير . فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل . ومثل الأخذ بالشفعة . فإن للشفيع أن يتملك الشقص بثمنه قهرا .
وكذلك السراية في العتق . فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا . وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا . وكل من وجب عليه شيء من الطعام واللباس والرقيق والمركوب- بحج أو كفارة أو نفقه- فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه ، وأجبر على ذلك . ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا ، أو بدون ثمن المثل .
فصل: ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء- كأبي حنيفة وأصحابه- القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجره: أن يشتركوا . فإنهم إذا اشتركوا- والناس يحتاجون إليهم- أغلوا عليهم الأجرة .
قلت: كذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك ، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم . وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم ، كالشهود والدلالين وغيرهم ، على أن في شركة الشهود مبطلا آخر . فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر ، لا يمكن الاشتراك فيه . فإن الكتابة متميزة ، والتحمل متميز ، والأداء متميز ، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع . فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه . ولهذا إذا اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين لتعذر اشتراكهما في العمل . ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة . فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل صاحب السلعة في بيعها . فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه . فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة . وإن قلنا: له أن يوكل: صحت . فعلى والي الحسبة: أن يعرف هذه الأمور ، ويراعيها ، ويراعي مصالح الناس وهيهات هيهات ذهب ما هنالك .
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 79)
والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة ، لما فيها من التواطؤ على إغلاء الجرة ، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدره أولى وأحرى .
وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم . لما في ذلك من ظلم البائع .
وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل ، ويبيعون ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل ، ويقتسمون ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان . وقد قال تعالى سورة المائدة الآية 2 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع ، وبيع الحاضر للبادي ، ومن النجش .
فصل: ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم ، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك .
ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي : إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية ، لحاجة الناس إليها . وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم ، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها . وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتولى أمر ما يليه بنفسه . ويولي فيما بعد عنه ، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي ، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص . وبعث عليا ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن . وكذلك كان يؤمر على السرايا ، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية ، فيأخذونها ممن هي عليه ، ويدفعونها إلى مستحقيها . فيرجع الساعي على المدينة وليس معه إلا سوطه ، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها فيه .
فصل: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستوفي الحساب على عماله ، يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلا من الأزد ، يقال له : ابن اللتبية ، على الصدقات فلما رجع حاسبه .
فقال: هذا لكم . وهذا أهدى إلي .
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : صحيح البخاري الأيمان والنذور (6636) ، صحيح مسلم الإمارة (1832) ، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2946) ، مسند أحمد بن حنبل (5/424) ، سنن الدارمي الزكاة (1669). ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله ، فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي ؟ ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه ، فينظر: أيهدي إليه أم لا ؟
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 80)
والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرا له رغاء . وأن كانت بقرة لها خوار . وإن كانت شاة تيعر . ثم رفع يديه إلى السماء .
وقال: اللهم هل بلغت؟ . قالها مرتين ، أو ثلاثا .
والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين عليه . فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم ، أو نساجتهم ، أو بنائهم؛ صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم ، يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل . ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل . ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم ، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بأن لا يظلموا الفلاح ، كما يلزم الفلاح بأن يفلح .
ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله ، وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض . وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان . ولكن يأبى لهم جهلهم وظلمهم إلا أن يركبوا الظلم والإثم . فيمنعوا البركة وسعة الرزق . فيجمع لهم عقوبة الآخرة ، ونزع البركة في الدنيا .
فإن قيل: وما الذي شرعه الله ورسوله ، وفعله الصحابة ، حتى يفعله من وفقه الله ؟ .
قيل: المزارعة العادلة ، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من العدل ، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان . وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد ومنعت الغيث ، وأزالت البركات ، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام . وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به .
وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعهد خلفائه الراشدين ، وهي عمل آل أبي بكر ، وآل عمر ، وآل عثمان ، وآل علي ، وغيرهم من بيوت المهاجرين . وهي قول أكابر الصحابة ، كابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وغيرهم . وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وداود بن علي ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وأبي بكر بن المنذر ، ومحمد بن نصر المروزي . وهي مذهب عامة أئمة المسلمين كالليث بن سعد ، وابن أبي ليلى ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن وغيرهم .
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات . ولم تزل
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 81)
تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر . وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم ، وكان البذر منهم ، لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- .
ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة ، بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل ، لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- . ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء .
والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض ، وأن يكون من العامل ، وأن يكون منهما . وقد ذكر البخاري في صحيحه: ( أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر . وإن جاءوا بالبذر: فلهم كذا) .
والذين منعوا المزارعة: منهم من احتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيح البخاري المساقاة (2381) ، صحيح مسلم كتاب البيوع (1536) ، سنن النسائي البيوع (4523) ، سنن أبو داود البيوع (3404) ، مسند أحمد بن حنبل (3/392). نهى عن المخابرة ولكن الذي نهى عنه هو الظلم؛ فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها . ويشترطون ما على الماذيانات وإقبال الجداول ، وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض . ويقتسمان الباقي .
وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع ، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات ، لا من باب المعاوضات . والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما .
فهذا هو الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كما قال الليث بن سعد : الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز . وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه .
فصل: وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول . فقالوا : القياس- يقتضي تحريمها .
ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة ، وأباح المضاربة استحسانا للحاجة . لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة .
ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا ، كقول مالك والشافعي في القديم ، أو على النخل والعنب خاصة ، كالجديد له . لأن الشجر لا يمكن إجارته ، بخلاف الأرض . وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة . ثم منهم من قدر ذلك بالثلث ، كقول مالك . ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 82)
الشافعي . وأما جمهور السلف والفقهاء ، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه ، بخلاف الإجارة . فإن هذا مقصوده العمل ، وهذا مقصوده الأجرة . ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل ، لا أجرة المثل . فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها ، لا أجرة مقدرة . فإن لم يكن ربح ولا نماء: لم يجب شيء . فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع . فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها . كما يجب في النـكاح الفاسد مهر المثل . وهو نظير ما يجب في الصحيح . وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل . وفي الإجارة الفاسدة . أجرة المثل . فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة: نصيب المثل . فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة . فيجب في فاسدها أجرة المثل ، بل هو جزء شائع من الربح . فيجب في الفاسدة نظيره . قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء والمزارعة أحل من المؤاجرة . وأقرب إلى العدل . فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة . والمستأجر قد يحصل له زرع ، وقد لا يحصل .
والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا . والصحيح: جوازهما ، سواء كانت الأرض إقطاعا أو غيره . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وما علمت أحدا من علماء الإسلام- من الأئمة الأربعة ولا غيرهم- قال: إجارة الإقطاع لا تجوز . وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن ، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا ، حتى حدث بعض أهل زمننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع .
وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة . فيصير كالمستعير . لا يجوز أن يكرى الأرض المعارة . وهذا قياس خطأ من وجهين .
أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له . إنما تبرع المعير بها . وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين ، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم . ليس متبرعا لهم كالمعير . والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق ، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الموقوف وأولى . وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح- فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى .
الثاني أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة ، وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة . فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة ، وإما بالإجارة . ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم . وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين . وفي ذلك من الفساد ما فيه .
وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت ، لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة . فإذا لم تصح
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 83)
إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية ، وكون الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه . مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد فيه وكون الصداق قبل الدخول معرضا نصفه أو كله إلى الزوج ، وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق . فليس مع المبطل نص ولا قياس ، ولا مصلحة ، ولا نظر .
وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة ولم يبق بيد الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها . وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس . لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم . فهي أقرب إلى العدل .
وهذه المسألة ذكرت استطرادا . وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات- كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل . وهذا من التسعير الواجب . فهذا تسعير في الأعمال .
وأما التسعير في الأموال : فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات . فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن . والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض . وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد . وهو الصواب .
فصل: وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة . لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا . بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم . وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد ، بل يشتريه الناس من الجلابين . ولهذا جاء في الحديث: سنن ابن ماجه التجارات (2153) ، سنن الدارمي البيوع (2544). الجالب مرزوق . والمحتكر ملعون .
وكذلك لم يكن في المدينة حائك . بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما . فيشترونها ويلبسونها .
000000000000000000000000000000000000000
فصل: وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين:
إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب ، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك . فإنه يمنع من ذلك عند مالك وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم .
واحتج مالك -رحمه الله- بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب :( أن عمر
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 84)
ابن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة ، وهو يبيع زبيبا له بالسوق .
فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع من سوقنا) .
قال مالك : لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس: لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس ، وإما رفعت . وإما أن يقول للناس كلهم- يعني: لا تبيعوا إلا بسعر كذا- فليس ذلك بالصواب . وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأبلة ، حين حط سعرهم لمنع البحر . فكتب ( خل بينهم وبين ذلك . فإنما السعر بيد الله) .
قال ابن رشد في كتاب البيان: أما الجالبون فلا خلاف أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع وإنما يقال لمن شذ منهم ، فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة ، وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة ، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له : ( إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع من سوقنا) ، لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق .
وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة ، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا ، مثل اللحم والأدم ، والفواكه- فقيل: إنهم كالجلابين ، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم . وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس ، وإما أن ترفع من السوق وهو قول مالك في هذه الرواية .
وممن روى عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله .
قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين ، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس ، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبهه . وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به . فيجعل لهم من الربح ما يشبهه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك . ويتفقد السوق أبدا ، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق وهذا قول مالك في رواية أشهب ، وإليه ذهب ابن حبيب . وقال به ابن المسيب ، ويحيي بن سعيد ، والليث بن سعد ، وربيعة .
ولا يجوز عند أحد العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ، ربحتم أو خسرتم ، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ، مما هو مثل الثمن أو أقل .
وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء ، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم . فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم .
وأما الشافعي : فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 85)
القاسم بن محمد عن عمر -رضي الله عنه- ( أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى ، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما) .
فقال له: مدين لكل درهم .
فقال عمر : قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك . فإما أن ترفع في السعر ، وإما أن تدخل زبيبك البيت ، فتبيعه كيف شئت ، فلما رجع عمر حاسب نفسه . ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني ، ولا قضاء ، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد . فحيث شئت فبع ، وكيف شئت فبع) .
قال الشافعي : وهذا الحديث مستفيض . وليس بخلاف لما رواه مالك . ولكنه روى بعض الحديث ، أو رواه عنه من رواه . وهذا أتى بأول الحديث وآخره . وبه أقول . لأن الناس مسلطون على أموالهم ، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها . وهذا ليس منها .
وعلى قول مالك : فقال أبو الوليد الباجي : الذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس . فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر . أمروا باللحاق بسعر الناس ، أو ترك البيع . فإن زاد في السعر واحد ، أو عدد يسير: لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره . لأن المراعى حال الجمهور . وبه تقوم المبيعات .
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم- كما يقام من نقص منه؟ .
قال ابن القصار المالكي : اختلف أصحابنا في قول مالك ( ولكن من حط سعرا) فقال البغداديون : أراد من باع خمسة بدرهم ، والناس يبيعون ثمانية . وقال قوم من البصريين : أراد من باع ثمانية ، والناس يبيعون خمسة . فيفسد على أهل السوق بيعهم . وقال قوم من البصريين : أراد من باع ثمانية ، والناس يبيعون خمسة . فيفسد على أهل السوق بيعهم . وربما أدى إلى الشغب والخصومه .
قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان . لأن من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة- أفسد على أهل السوق بيعهم . وربما أدى إلى الشغب والخصومة . فمنع الجميع مصلحة .
قال أبو الوليد : ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق .
وأما الجالب: ففي كتاب محمد : لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس . وقال ابن حبيب : ما عدا القمح والشعير بسعر الناس ، وإلا رفعوا . وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء ، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق ، إن أرخص بعضهم تركوا ، وإن أرخص أكثرهم ، قيل لمن بقي إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا .
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 86)
قال ابن حبيب : وهذا في المكيل والموزون ، مأكولا كان أو غيره ، دون ما لا يكال ولا يوزن . لأنه لا يمكن تسعيره ، لعدم التماثل فيه .
قال أبو الوليد : هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين . أما إذا اختلفا ، لم يؤمر صاحب الجيد . أن يبيعه بسعر الدون .
000000000000000000000000000000000000000
فصل : وأما المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير: فهي أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب . فهذا منع منه الجمهور ، حتى مالك نفسه في المشهور عنه . ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم ، والقاسم بن محمد . وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا ، ولحم الإبل بكذا ، وإلا أخرجوا من السوق - قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم ، فلا بأس به ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق .
واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم . ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر ، على حساب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري . وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سنن أبو داود البيوع (3450) ، مسند أحمد بن حنبل (2/337). جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال: يا رسول الله ، سعر لنا . فقال: بل ادعوا الله . ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله ، سعر لنا . فقال: بل الله يرفع ويخفض . وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة .
قالوا: ولأن إجبار الناس على ذلك ظلم لهم .
فصل: وأما صفة ذلك عند من جوزه ، فقال ابن حبيب : ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم ، استظهارا على صدقهم ، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد ، حتى يرضوا به . ولا يجبرهم على التسعير ، ولكن عن رضى .
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 87)
قال أبو الوليد : ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين . ويجعل الباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم . ولا يكون فيه إجحاف بالناس . وإذا سعر عليهم من غير رضى ، بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد الأسعار ، وإخفاء الأقوات ، وإتلاف أموال الناس .
قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه . وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه: فهنا يؤمرون بالواجب ، ويعاقبون على تركه . وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع .
ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- سنن الترمذي البيوع (1314) ، سنن أبو داود البيوع (3451) ، سنن ابن ماجه التجارات (2200) ، مسند أحمد بن حنبل (3/286) ، سنن الدارمي البيوع (2545). إن الله هو المسعر القابض الباسط ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال قيل له: هذه قضية معينة . وليست لفظا عاما . وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه . ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه . فإذا بذله صاحبه- كما جرت العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه- فهنا لا يسعر عليهم . وقد ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك ، فقال: صحيح البخاري العتق (2522) ، صحيح مسلم الأيمان (1501) ، سنن الترمذي الأحكام (1346) ، سنن النسائي البيوع (4699) ، سنن أبو داود العتق (3940) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2528) ، مسند أحمد بن حنبل (2/11) ، موطأ مالك العتق والولاء (1504). من أعتق شركا به في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ، لا وكس ولا شطط . فأعطى شركاءه حصصهم . وعتق عليه العبد فلم يكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد . فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ، ويعطيه قسطه من القيمة . فإن حق الشريك في نصف القيمة ، لا في قيمة النصف عند الجمهور .
وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه ، فإنه يباع ويقسم ثمنه ، إذا طلب أحد الشركاء ذلك . ويجبر الممتنع على البيع . وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا .
وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل ، لا بما يزيد عن الثمن .
وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه ، للمصلحة الراجحة ، كما في الشفعة . وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن .
والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل ، لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم ، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره .
وهذا الذي أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير . وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه ، لأجل مصلحة التكميل لواحد . فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 88)
وقع عليه العقد لا بما شاء المشتري من الثمن ، لأجل هذه المصلحة الجزئية . فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها . فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل ، لا بما يريدونه من الثمن . وحديث العتق أصل في ذلك كله .
فصل : فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان ، لا يجدون سواه ، أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها ، أو رحى للطحن ، أو دلو لنزع الماء ، أو قدر ، أو فأس ، أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع .
لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء . وهما وجهان لأصحاب أحمد . ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل قال شيخنا: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا ، كما دل عليه الكتاب والسنة . قال تعالى سورة الماعون الآية 4 فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ سورة الماعون الآية 5 الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ سورة الماعون الآية 6 الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ سورة الماعون الآية 7 وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة ( وهو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها) وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- - وذكر الخيل- صحيح البخاري تفسير القرآن (4962) ، صحيح مسلم الزكاة (987) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1636) ، سنن النسائي الخيل (3563) ، سنن ابن ماجه الجهاد (2788) ، مسند أحمد بن حنبل (2/262) ، موطأ مالك كتاب الجهاد (975). قال هي لرجل أجر . ولرجل ستر . وعلى رجل وزر . فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله . وأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا . ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها .
وفي الصحيحين عنه أيضا صحيح مسلم الزكاة (988) ، سنن النسائي الزكاة (2454) ، سنن الدارمي الزكاة (1616). من حق الإبل إعارة دلوها ، وإطراق فحلها وفي الصحيحين عنه أنه صحيح البخاري الإجارة (2284) ، سنن الترمذي البيوع (1273) ، سنن النسائي البيوع (4671) ، سنن أبو داود البيوع (3429) ، مسند أحمد بن حنبل (2/14). نهى عن عسب الفحل أي عن أخذ الأجرة عليه ، والناس يحتاجون إليه . فأوجب بذله مجانا . ومنع من أخذ الأجرة عليه . وفي الصحيحين عنه أنه قال: سنن ابن ماجه الأحكام (2336) ، مسند أحمد بن حنبل (3/480). لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره .
ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره ، من غير ضرر لصاحب الأرض فهل يجبر على ذلك؟ روايتان عن أحمد والإجبار: قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- .
وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين ( أن زكاة الحلي عاريته . فإذا لم يعره فلا بد من زكاته) .
وهذا وجه في مذهب أحمد .
قلت: وهو الراجح ، وأنه لا يخلو الحلى من زكاة أو عارية والمنافع التي يجب بذلها نوعان منها:
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 89)
ما هو حق المال ، كما ذكرنا في الخيل ، والإبل ، والحلي . ومنها: ما يجب لحاجة الناس .
وأيضا : فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة ، كتعليم العلم ، وإفتاء الناس ، والحكم بينهم ، وأداء الشهادة ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك من منافع الأبدان .
وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه . فإن ترك ذلك- مع قدرته عليه- أثم وضمنه . فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج . وقد قال تعالى: سورة البقرة الآية 282 وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وقال: سورة البقرة الآية 282 وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ .
وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال: وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد أحدها: أنه لا يجوز مطلقا . والثاني: أنه يجوز عند الحاجة .
والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يتعين عليه . والرابع: أنه يجوز . فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء . والمقصود: أن ما قدره النبي -صلى الله عليه وسلم- من الثمن في سراية العتق: هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله . وذلك في الحقوق والحدود . فأما الحقوق: فمثل حقوق المساجد ، ومال الفيء ، والوقف على أهل الحاجات ، وأموال الصدقات ، والمنافع العامة .
وأما الحدود: فمثل حد المحاربة ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر المسكر . وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك: مصلحة عامة ، ليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع: أولى من تقديره لتكميل الحرية ، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق ، ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر . فإنه يطلب ما شاء . وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم . فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء: كان ضرر الناس أعظم . ولهذا قال الفقهاء : إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير: وجب عليه بذله له بثمن المثل .
وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها: هو الشافعي . ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله له بثمن المثل . وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام ، إذا كان بالناس إليه حاجة ولهم فيه وجهان . وقال أصحاب أبي حنيفه : لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس ، إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله ، على اعتبار السعر في ذلك ، ونهاه عن الاحتكار . فإن أبى: حبسه وعزره على مقتضى رأيه ، زجرا له ، ودفعا للضرر عن الناس .
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 90)
قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام ، وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا ، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر ، حيث لا يرى الحجر على الحر . ومن باع منهم بما قدره الإمام: صح . لأنه غير مكره عليه .
قالوا: وهل يبيع القاضي على المتحكر طعامه من غير رضاه؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المدين . وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق . لأن أبا حنيفه يرى الحجر لدفع الضرر العام ، والسعر لما غلا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه التسعير فامتنع ، لم يذكر: أنه كان هناك من عنده طعام امتنع عن بيعه ، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق . ولكن نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد ، أي أن يكون سمسارا . وقال: صحيح مسلم البيوع (1522) ، سنن الترمذي البيوع (1223) ، سنن أبو داود البيوع (3442) ، سنن ابن ماجه التجارات (2176) ، مسند أحمد بن حنبل (3/392). دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس- أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له ، مع أن جنس الوكالة مباح ، لما في ذلك من زيادة السعر على الناس . ونهى عن تلقي الجلب ، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار . ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا . فإذا لم يكن قد عرف السعر ، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق: اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه . فأثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا البائع الخيار .
ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم . إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا ، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي .
والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن . وهي ظاهر المذهب .
وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي ، فاشترى متاعه في الجملة . فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البيع والشراء الذي جنسه حلال ، حتى يعلم البائع السعر وهو ثمن المثل ، ويعلم المشترى بالسلعة .
وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشترى أن يشترى حيث شاء . وقد اشترى من البائع ، كما يقول: له أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر ، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة . فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل . فيكون المشتري غارا له .
وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل . فإنه بمنزلة الجاهل بالسعر . فتبين أنه يجب على الإنسان: أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف . وهو ثمن المثل ، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه ، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة ، أو غير مماكسين . والبيع يعتبر فيه الرضا . والرضا يتبع العلم . ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى ، وقد لا يرضى . فإذا علم أنه غبن ورضى ، فلا بأس بذلك .
وفي السنن أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره ، وكان صاحب الأرض يتضرر
(الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 91)
بدخول صاحب الشجرة ، فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأمره أن يقبل بدلها ، أو يتبرع له بها ، فلم يفعل ، فأذن لصاحب الأرض . أن يقلعها ، وقال لصاحب الشجرة . إنما أنت مضار .
وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته ، ولا يتبرع بها . ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها . لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وإجبار على المعاوضة عليه . وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض ( بخلاصه من تأذيه) بدخول صاحب الشجرة ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة ، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير ، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم . فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما . فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه .
والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري ، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ .
والحكم في المعارضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها- كمنافع الدور ، والطحن ، والخبز ، وغير ذلك- حكم المعاوضة على الأعيان .
وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير: سعر عليهم تسعير عدل ، ولا وكس ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه: لم يفعل ، وبالله التوفيق . انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- .
0000000000000000000000000000000000000000000000000
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaD...No=1&BookID=2&