+ الرد على الموضوع
صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 1 2 3 4 5
عرض النتائج 61 إلى 64 من 64

الموضوع: العقيدة في الله /

  1. #61
    والملائكة عندهم علم وفير علّمهم الله إيّاه ، ولكن ليس عندهم القدرة التي أعطيت للإنسان في التعرف على الأشياء : ( وعلَّم آدم الأسماء كلها ثُمَّ عرضهم على الملائكة فقال أَنبِئُونِي بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين – قالوا سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ) [ البقرة : 31-32 ] .
    فالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء ، واكتشاف سنن الكون ، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله سبحانه وتعالى .
    ولكنّ الذي علمهم الله إياه أكثر مما يعرفه الإنسان ، ومن العلم الذي أعطوه علم الكتابة : ( وإنَّ عليكم لحافظين – كراماً كاتبين – يعلمون ما تفعلون ) [ الانفطار : 10-12 ] .
    وسيأتي إيضاح هذا في مبحث ( الملائكة والإنسان ) .
    اختصام الملأ الأعلى :
    والملائكة تتحاور فيما بينها فيما خفي عليها من وحي ربها ، ففي سنن الترمذي ، ومسند أحمد عن ابن عباس : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني الليلة ربي – تبارك وتعالى – في أحسن صورة – قال : أحسبه قال : في المنام – فقال : يا محمد ، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قال : قلت : لا . قال : فوضع يده بين كتفيّ ، حتى وجدت بردها بين ثدييّ ، فعلمت ما في السماوات ، وما في الأرض .
    فقال : يا محمد ! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : نعم ، في الكفارات والدرجات ، والكفارات : المكث في المساجد بعد الصلاة ، والمشي على الأقدام إلى الجماعات ، وإسباغ الوضوء في المكاره ، والدرجات : إفشاء السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام .
    قال : صدقت ، ومن فعل ذلك عاش بخير ، ومات بخير ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه .
    وقال : يا محمد ، إذا صليت فقل : اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبّ المساكين ، وأن تغفر لي ، وترحمني ، وتتوب عليّ ، وإذا أردت بعبادك فتنة ، فاقبضني إليك غير مفتون ) (6) .
    (1/17)
    ________________________________________
    قال ابن كثير في هذا الحديث بعد ذكره له : " هذا حديث المنام المشهور ، ومن جعله يقظة فقد غلط ، وهو في السنن من طرق ، وهذا الحديث رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به .
    وقال الحسن : صحيح ، وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن في قوله : ( ما كان لي علم بالملإ الْأَعْلَى إذ يختصمون – إن يُوحَى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مُّبين) [ ص : 69-70 ] .
    فإن الاختصام المذكور في الحديث ، قد فسره الرسول صلى الله عليه وسلم .
    والاختصام المذكور في القرآن فسرته الآيات بعده : ( إذ قال ربُّك للملائكة إني خالق بشراً من طينٍ – فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين – فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون – إلاَّ إبليس استكبر وكان من الكافرين ) [ ص : 71-74 ] .
    فالاختصام المذكور في القرآن كان في شأن آدم – عليه السلام – وامتناع إبليس من السجود له ، ومحاجته ربّه في تفضيله عليه " (7) .
    4- منظمون في كل شؤونهم :
    الملائكة منظمون في عبادتهم ، وقد حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بهم في ذلك فقال : ( ألا تصفّون ما تصفّ الملائكة عند ربها ) ؟ قالوا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : ( يتمون الصفوف ، ويتراصون في الصف ) (8) .
    وفي يوم القيامة يأتون صفوفاً منتظمة : ( وجاء ربُّك والملك صفّاً صفّاً ) [ الفجر : 22 ] ، ويقفون صفوفاً بين يدي الله تعالى : ( يوم يقوم الرُّوح والملائكة صفّاً لا يتكلَّمون إلاَّ من أذن له الرَّحمن وقال صواباً ) [ النبأ : 38 ] ، والروح : جبريل .
    وانظر إلى دقة تنفيذهم للأوامر ، ففي صحيح مسلم ، ومسند أحمد عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( آتي باب الجنة فأستفتح ، فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : محمد ، فيقول : بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك ) (9) .
    (1/18)
    ________________________________________
    ويمكن أن نلاحظ دقة تنفيذهم للأوامر من استعراض حديث الإسراء ؛ إذ كان جبريل يستأذن في كل سماء ، ولا يُفْتَحُ له إلا بعد الاستفسار .
    5- عصمة الملائكة :
    نقل السيوطي عن القاضي عياض : أن المسلمين أجمعوا على أن الملائكة مؤمنون فضلاء ، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه ، وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم .
    واختلفوا في غير المرسلين منهم ، فذهب طائفة إلى عصمتهم جميعاً عن المعاصي ، واحتجوا بقوله تعالى : ( يا أيها الَّذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها النَّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [التحريم : 6] ، وبقوله : ( وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ – وإنَّا لنحن الصَّادقون – وإنَّا لنحن المسبحون ) [ الصافات : 164-166 ] ، وبقوله : ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ) الآية [ الأنبياء : 19 ] ، وقوله : ( كرام بررةٍ ) [عبس : 16]، وقوله : ( لاَّ يمسُّه إلاَّ المطهَّرون ) [ الواقعة : 79 ] ونحوه من السمعيات .
    وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين ، واحتجوا بقصة هاروت وماروت وقصة إبليس ، والصواب عصمتهم جميعاً وتنزيه جنابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبهم وينزلهم عن جليل مقدارهم .
    قال : والجواب عن قصة هاروت وماروت أنها لم يرو فيها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن قصة إبليس أن الأكثر ينفون أنه من الملائكة ويقولون : إنه أبو الجن ،كما أن آدم أبو البشر ، انتهى " (10) .
    وتعرض لهذه المسألة الصفوي الأرموي فما نقله عنه السيوطي فقال : " الملائكة معصومون ، والدليل عليه من وجوه :
    (1/19)
    ________________________________________
    أحدهما : قوله تعالى في وصفهم : ( ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6 ] وقوله تعالى : ( وهم بأمره يعملون ) [ الأنبياء : 27 ] وهما يتناولان فعل المأمورات وترك المنهيات ؛ لأن النهي أمر بالترك ، ولأنه سيق في معرض التمدح ، وهو إنما يحصل بمجموعها .
    وثانيها : قوله تعالى : ( يسبحون اللَّيل والنَّهار لا يفترون ) [ الأنبياء : 20 ] ، وهو يفيد المبالغة التامة في الاشتغال بالعبادة ، وهو يفيد المطلوب .
    وثالثهما : الملائكة رسل الله لقوله تعالى : ( جاعل الملائكة رسلاً ) [فاطر :1] والرسل معصومون ؛ لأنه قال في تعظيمهم : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [الأنعام : 124] ، وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم " (11) .
    --------------------------------
    (1) البداية والنهاية : 1/43 .
    (2) رواه مسلم : 1/37 . ورقمه : 8 . ورواه البخاري عن أبي هريرة : 1/114 . ورقمه : 49 . واللفظ لمسلم .
    (3) أخرجه أحمد في مسنده ، وابن سعد في الطبقات ، بإسناد حسن . وحديث إقراء جبريل عائشة السلام من غير رؤيتها له ، رواه البخاري في صحيحه : 6/305 . ورقمه : 3217 . ورواه أيضاً : 7/106 . ورقمه : 3768 .
    (4) صحيح مسلم : 4/2118 . ورقمه : 2766 .
    (5) ص : 261 .
    (6) صحيح سنن الترمذي : 3/9 . ورقمه: 2580 ، 2581 .
    (7) راجع تفسير ابن كثير : 6/73-74 .
    (8) رواه مسلم : 1/322 . ورقمه : 430 .
    (9) صحيح مسلم : 1/188 . ورقمه : 197 .
    (10) الحبائك في أخبار الملائك ، للسيوطي : ص252 .
    (11) الحبائك في أخبار الملائك :
    ص253 .
    يقول الشعبي

    إني لأستحي من الله

    إذا ر أيت الحق ألآ أرجع

    إليه

  2. #62
    عبادة الملائكة
    نظرة في طبيعة الملائكة :
    الملائكة مطبوعون على طاعة الله ، ليس لديهم القدرة على العصيان : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6 ] .
    فتركهم للمعصية ، وفعلهم للطاعة جبلّة ، لا يكلفهم أدنى مجاهدة ؛ لأنه لا شهوة لهم .
    (1/20)
    ________________________________________
    ولعلّ هذا هو السبب الذي دعا فريقاً من العلماء إلى القول : إن الملائكة ليسوا بمكلفين ، وإنهم ليسوا بداخلين في الوعد والوعيد (1) .
    ويمكن أن نقول : إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كلف بها أبناء آدم . أما القول بعدم تكليفهم مطلقاً ، فهو قول مردود ، فهم مأمورون بالعبادة والطاعة : ( يخافون ربَّهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) [ النحل : 50 ] . وفي الآية أنهم يخافون ربهم ، والخوف نوع من التكاليف الشرعية ، بل هو من أعلى أنواع العبودية ، كما قال فيهم : ( وهم من خشيته مشفقون ) [ الأنبياء : 28 ] .
    مكانة الملائكة :
    خير ما يوصف به الملائكة أنهم عباد الله ، ولكنهم عباد مكرمون ، وقد سبق أن أشرنا إلى أن دعوى المشركين في أنّ الملائكة – بنات الله – دعوى باطلة ، لا نصيب لها من الصحة ، وقد أكذب الله القائلين بهذا القول ، وبين حقيقة الملائكة ومكانتهم في أكثر من موضع ، قال تعالى : ( وقالوا اتَّخذ الرَّحمن ولداً سبحانه بل عبادٌ مُّكرمون – لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون – يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون – ومن يقل منهم إِنِّي إلهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظَّالمين ) [ الأنبياء : 26-29 ] .
    الملائكة عباد يتصفون بكل صفات العبودية ، قائمون بالخدمة ، منفذون للتعاليم ، وعلم الله بهم محيط ، لا يستطيعون أن يتجاوزوا الأوامر ، ولا أن يخالفوا التعليمات الملقاة إليهم ، خائفون وجلون . وعلى احتمال أن بعضهم تعدى طوره ، فإن الله يعذبه جزاء تمرده .
    (1/21)
    ________________________________________
    ومن تمام عبودية الملائكة أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين ، ولا يعترضون على ما أمر من أوامره ، بل هم عاملون بأمره ، مسارعون مجيبون ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [ الأنبياء : 27 ] ، وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به ، فالأمر يحركهم ، والأمر يوقفهم ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس (2) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( ألا تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ ) قال : فنزلت : ( وما نتنزَّل إلاَّ بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربُّك نسيّاً ) [ مريم : 64 ] .
    نماذج من عبادتهم :
    الملائكة عباد الله ، مكلفون بطاعته ، وهم يقومون بالعبادة والتكاليف بيسر وسهولة . وسنورد – هنا – بعض العبادات التي حدثنا الله ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم يقومون بها .
    1- التسبيح : الملائكة يذكرون الله تعالى ، وأعظم ذكره التسبيح ، يسبحه تعالى حملة عرشه : ( الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ) [ غافر : 7 ] ، كما يسبحه عموم ملائكته : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) [ الشورى : 5 ] .
    وتسبيحهم لله دائم لا ينقطع ، لا في الليل ، ولا في النهار : ( يسبحون اللَّيل والنَّهار لا يفترون ) [ الأنبياء : 20 ] .
    ولكثرة تسبيحهم فإنهم هم المسبحون في الحقيقة ، وحق لهم أن يفخروا بذلك : ( وإنَّا لنحن الصَّافون – وإنَّا لنحن المسبحون ) [ الصافات : 165-166 ] .
    وما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر ، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذكر أفضل ؟ قال : ( ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده : سبحان الله وبحمده ) (3) .
    (1/22)
    ________________________________________
    2- الاصطفاف : سبق ذكر الحديث الذي يحث الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أصحابه على الاقتداء بالملائكة في الاصطفاف للصلاة : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ ) . وعندما سئل عن كيفية اصطفافهم قال : ( يتمون الصفوف ، ويتراصون في الصف ) . رواه مسلم (4) .
    وفي القرآن عن الملائكة : ( وإنَّا لنحن الصَّافون ) [ الصافات : 165 ] . وهم يقومون ، ويركعون ، ويسجدون ، ففي مشكل الآثار للطحاوي ، وفي المعجم الكبير للطبراني عن حكيم بن حزام قال :
    " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ قال لهم : ( أتسمعون ما أسمع ؟ ) . قالوا : ما نسمع من شيء ، قال : ( إني لأسمع أطيط السماء ، وما تلام أن تئط ، ما فيها موضع شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم ) (5) .
    3- الحج : للملائكة كعبة في السماء السابعة يحجون إليها ، هذه الكعبة هي التي أسماها الله تعالى : البيت المعمور ، وأقسم به في سورة الطور : ( والبيت المعمور ) [ الطور : 4 ] .
    قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية : " ثبت في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء ، بعد مجاوزته السماء السابعة : ( ثمّ رفع بي إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً ، لا يعودون إليه آخر ما عليهم ) (6) ؛ يعني يتبعدون فيه ، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم ، والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة ، ولهذا وَجَد إبراهيمَ الخليل – عليه الصلاة والسلام – مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ؛ لأنه باني الكعبة الأرضية ، والجزاء من جنس العمل " .
    وذكر ابن كثير أن البيت المعمور بحيال الكعبة ، أي فوقها ، لو وقع لوقع عليها ، وذكر أن في كل سماء بيتا يتعبد فيه أهلها ، ويصلون إليه ، والذي في السماء الدنيا يقال له : بيت العزة .
    (1/23)
    ________________________________________
    وهذا الذي ذكره ابن كثير من أن البيت المعمور بحيال الكعبة مروي عن علي بن أبي طالب ، أخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة : أن رجلاً قال لعلي – رضي الله عنه - : ما البيت المعمور ؟ قال : " بيت في السماء بحيال البيت ، حرمة هذا في السماء كحرمة هذا في الأرض ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ولا يعودون إليه " (7) .
    قال فيه الشيخ ناصر الدين الألباني (8) : ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة وهو مستور ... ثم ذكر أن له شاهداً مرسلاً صحيحاً من رواية قتادة ، قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه : ( هل تدرون ما البيت المعمور ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه مسجد في السماء ، تحته الكعبة ، لو خرّ لخر عليها ... ) .
    ثم قال المحقق ( الألباني ) : " وجملة القول أن هذه الزيادة ( حيال الكعبة ) ثابتة بمجموع طرقها " .
    4- خوفهم من الله وخشيتهم له : ولما كانت معرفة الملائكة بربهم كبيرة ، كان تعظيمهم له ، وخشيتهم له ، عظيمة ، قال الله فيهم : ( وهم من خشيته مشفقون ) [الأنبياء : 28] .
    ويبين شدة خوفهم من ربهم ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان ) .
    قال علي ، وقال غيره : " صفوان ينفذهم ذلك . فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير " (9) .
    وفي معجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مررت ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى ، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى ) (10) .
    " والحلس : كساء يبسط في أرض البيت " .
    --------------------------------
    (1) لوامع الأنوار البهية : 2/409 .
    (2) صحيح البخاري : 6/305 . ورقمه : 3218 .
    (3) صحيح مسلم : 4/2093 . ورقمه : 2731 .
    (1/24)

  3. #63
    الملائكة والإنسان
    المبحث الأول
    الملائكة وآدم
    سؤالهم عن الحكمة من خلق الإنسان :
    عندما أراد الله سبحانه أن يخلق آدم أعلم ملائكته بمراده ، فسألوه عن الحكمة من وراء ذلك ؛ لأنهم علموا أنه سيقع من بني آدم إفساد ، وسفك دماء ، وعصيان ، وكفر ، فأخبرهم سبحانه ، أن من وراء خلقه لآدم حِكَماً لا يعلمونها : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) [ البقرة : 30 ] .
    سجودهم له عند خلقه :
    أمر الله ملائكته بالسجود لآدم حين يتمّ خلقه ، وتنفخ فيه الروح : ( إذ قال ربُّك للملائكة إني خالق بشراً من طينٍ – فإذا سوَّيته ونفخت فيه من رُّوحي فقعوا له ساجدين ) [ ص : 71-72 ] .
    وقد استجابوا لأمر الله إلا إبليس : ( فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون – إلاَّ إبليس استكبر وكان من الكافرين ) [ ص : 73-74 ] (1) .
    توجيه الملائكة لآدم :
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الله آدم على صورته ، طوله ستون ذراعاً ، فلما خلقه قال : اذهب فسلم على أولئك ، نفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحيّة ذريتك ، فقال : السلام عليكم . فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ( فزادوه ورحمة الله ) (2) .
    غسل الملائكة آدم عند موته :
    (1/25)
    ________________________________________
    عندما توفي آدم لم يعرف أولاده كيف يفعلون به ، فأعلمتهم الملائكة ، ففي مستدرك الحاكم ، ومعجم الطبراني الأوسط ، بإسناد صحيح ، عن أبيّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وتراً ، وألحدوا له ، وقالوا : هذه سنة آدم في ولده ) (3) .
    وقد ثبت في صحاح الأحاديث أن الملائكة غسلت شهيداً من هذه الأمة هو حنظلة بن أبي عامر ، الذي استشهد في معركة أحد ، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد مقتل حنظلة : ( إنّ صاحبكم تغسله الملائكة ، يعني حنظلة ) ، فسأل الصحابة زوجته ، فقالت : إنّه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لذلك غسلته الملائكة ) .
    رواه الحاكم والبيهقي وإسناده حسن ، وقد ذكر ابن عساكر بإسناد صحيح : أنّ الأوس افتخروا بأن منهم غسيل الملائكة : حنظلة بن الراهب (4) .
    --------------------------------
    (1) هذه الآية ظاهرة الدلالة في أن الملائكة جميعاً سجدوا لآدم ، وفي هذا ردٌ على الذين قالوا إن الذين سجدوا هم جزء من الملائكة ، أو أنهم ملائكة الأرض فحسب ، والأثر الوارد في أنهم ملائكة الأرض المنسوب إلى ابن عباس فيه نكارة وانقطاع . ويرى ابن تيمية أن الآية نص لا يحتمل التأويل ، ولا يجوز مخالفتها .
    (2) صحيح البخاري : 11/3 . ورقمه : 6227 . ورواه مسلم : 4/2184 . ورقمه : 2841 .
    (3) صحيح الجامع : 5/48 .
    (4) سلسلة الأحاديث الصحيحة : حديث رقم : 326 .
    المبحث الثاني
    الملائكة وبني آدم
    علاقة الملائكة بذرية آدم علاقة وثيقة ، فهم يقومون عليه عند خلقه ، ويُكَلَّفون بحفظه بعد خروجه إلى الحياة ، ويأتونه بالوحي من الله ، ويراقبون أعماله وتصرفاته ، وينزعون روحه إذا جاء أجله .
    المطلب الأول
    دورهم في تكوين الإنسان
    (1/26)
    ________________________________________
    روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا مرّ بالنطفة اثنان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكاً ، فصورها ، وخلق سمعها وبصرها ، وجلدها ولحمها وعظامها ، ثمّ قال : أي ربّ : أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ) (1) .
    وعن ابن مسعود ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ، ثمّ يكون علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكاً يؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ) (2) .
    وفي الصحيحين أيضاً ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وكّل الله بالرحم ملكاً ، فيقول : أي ربّ نطفة ، أي ربّ عَلَقَة ، أي ربّ مضغة ، فإذا أراد الله أن يقضي خَلْقَها قال : أي ربّ ذكر أم أنثى ؟ أشقيّ أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك في بطن أمه ) (3) .
    --------------------------------
    (1) صحيح مسلم : 4/2037 . ورقمه : 2645 .
    (2) رواه البخاري : 6/203 . ورقمه : 3208 . ورواه مسلم : 4/2036 . ورقمه : 2643 .
    (3) رواه البخاري : 11/477 . ورقمه : 6595 . ورواه مسلم : 4/2038 . ورقمه : 2646 . واللفظ للبخاري .
    المطلب الثاني
    حراستهم لابن آدم
    قال تعالى : ( سواءٌ منكم مَّن أسرَّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف باللَّيل وسارب بالنَّهار – له مُعَقِّبَاتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) [الرعد : 10-11] .
    وقد بين ترجمان القرآن ابن عباس أن المعقبات من الله هم الملائكة جعلهم الله ليحفظوا الإنسان من أمامه ومن ورائه ، فإذا جاء قدر الله – الذي قدّر أن يصل إليه – خلوا عنه .
    (1/27)
    ________________________________________
    وقال مجاهد : " ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوام ، فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك وراءك ، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه " .
    وقال رجل لعلي بن أبي طالب : " إن نفراً من مراد يريدون قتلك ، فقال ( أي علي ) : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، إن الأجل جنّة حصينة " (1) .
    والمعقبات المذكورة في آية الرعد هي المرادة بالآية الأخرى : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتَّى إذا جاء أحدكم الموت توفَّته رسلنا وهم لا يفرطون ) [الأنعام : 61] ، فالحفظة الذين يرسلهم الله يحفظون العبد حتى يأتي أجله المقدر له .
    --------------------------------
    (1) راجع البداية والنهاية : 1/54 .
    المطلب الثالث
    سفراء الله إلى رسله وأنبيائه
    وقد أعلمنا الله أن جبريل يختص بهذه المهمة : ( قل من كان عدوّاً لجبريل فإنَّه نزَّله على قلبك بإذن الله مصدّقاً لما بين يديه ) [ البقرة : 97 ] .
    وقال : ( نزل به الرُّوح الأمين – على قلبك لتكون من المنذرين ) [ الشعراء : 193-194 ] .
    وقد يأتي بالوحي غير جبريل – وهذا قليل – كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : ( بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه ، فرفع رأسه ، فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك ، فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم ، فسلّم ، وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته ) (1) .
    وفي التاريخ لابن عساكر عن حذيفة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني مالك فسلم عليّ – نزل من السماء ، لم ينزل قبلها – فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة ، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة ) (2) .
    (1/28)

  4. #64
    وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن حذيفة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل ؟ ) قال : قلت : بلى ، قال : ( فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة ، فاستأذن ربه أن يسلم عليّ ، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة ، وأن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة ) (3) .
    ليس كل من جاءه ملك فهو رسول أو نبي :
    ليس كل من جاءه ملك يعدّ رسولاً أو نبياً ، فهذا وَهْم ، فالله قد أرسل جبريل إلى مريم ، كما أرسله إلى أم إسماعيل عندما نفد الماء والطعام منها .
    ورأى الصحابة جبريل في صورة أعرابي ، وأرسل الله ملكاً إلى ذلك الرجل الذي زار أخاً له في الله يبشره بأن الله يحبه لحبه لأخيه .... ، وهذا كثير وإنما المراد التنبيه .
    كيف كان يأتي الوحي الرسول صلى الله عليه وسلم :
    في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها : أن الحارث بن هشام – رضي الله عنه – سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشدّه عليّ ، فَيُفصَم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً ، فيكلمني ، فأعي ما يقول ) (4) .
    فجبريل كان يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في حالته الملكية ، وهذه شديدة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، والحالة الثانية كان جبريل ينتقل من حالته الملكية إلى البشرية ، وهذه أخف على الرسول صلى الله عليه وسلم .
    وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين :
    الأولى : بعد البعثة بثلاث سنوات ؛ ففي صحيح البخاري عن جابر ابن عبد الله : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما أنا أمشي ، إذ سمعت صوتاً من السماء ، فرفعت بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت ، فقلت : زملوني ) (5) .
    (1/29)
    ________________________________________
    والثانية : عندما عرج به إلى السماء :
    وهاتان المرتان مذكورتان في سورة النجم في قوله تعالى : ( علَّمه شديد القوى – ذو مرةٍ فاستوى – وهو بالأفق الأعلى – ثمَّ دنا فتدلَّى – فكان قاب قوسين أو أدنى – فأوحى إلى عبده ما أوحى – ما كذب الفؤاد ما رأى – أَفَتُمَارُونَهُ على ما يرى – ولقد رآه نزلةً أخرى – عند سدرة المنتهى – عندها جنَّة المأوى – إذ يغشى السدرة ما يغشى – ما زَاغَ البصر وما طغى ) [ النجم : 5-17 ] .
    لا تقتصر مهمة جبريل على تبليغ الوحي :
    لم تقتصر مهمة جبريل على تبليغ الوحي من الله تعالى ، فقد كان يأتيه في كل عام في رمضان في كل ليلة من لياليه ، فيدارسه القرآن . والحديث أورده البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة في رمضان ، فيدارسه القرآن ، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة " (6) .
    إمامته للرسول :
    وقد أمّ جبريلُ الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ كي يعلمه الصلاة كما يريدها الله تعالى ، ففي صحيح البخاري وسنن النسائي عن أي مسعود : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( نزل جبريل فأمني فصليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، يحسب بأصابعه خمس مرات ) (7) .
    وفي السنن عن ابن عباس : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أمني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين ، فصلى بي الظهر ، حين زالت الشمس ، وكانت قدر الشراك ، وصلى بي العصر حين كان ظلّ الشيء مثله ، وصلى بي – يعن المغرب – حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق ، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم .
    (1/30)
    ________________________________________
    فلما كان الغد ، صلى بي الظهر حين كان ظل الشيء مثله ، وصلى بي العصر حين كان ظل الشيء مثليه ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل ، وصلى بي الفجر فأسفر . ثم التفت إليّ فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت ما بين هذين الوقتين ) (8) .
    رقية جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم :
    روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد : أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا محمد اشتكيت ؟ قال : نعم ، قال : بسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر كلّ ذي نفس ، أو عين حاسد ، الله يشفيك ، بسم الله أرقيك ) (9) .
    أعمال أخرى :
    ومن ذلك أنّه حارب مع الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر والخندق ، وصحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسراء وغير ذلك .
    لماذا لا يرسل الله رسله من الملائكة :
    والله لا يرسل رسله إلى البشر من الملائكة ؛ لأن طبيعة الملائكة مخالفة لطبيعة البشر ، فاتصالهم بالملائكة ليس سهلاً ميسوراً ؛ ولذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه مجيء جبريل إليه بصفته الملائكية كما مضى ، وعندما رأى جبريل على صورته فزع ، وجاء زوجته يقول : دثّروني دّثروني .
    فلما كانت الطبائع مختلفة ، شاء الله أن يرسل لهم رسولاً من جنسهم ، ولو كان سكان الأرض ملائكة ، لأنزل إليهم ملكاً رسولاً ، قال تعالى : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مُطْمَئِنِّينَ لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً ) [ الإسراء : 95 ] .
    وعلى فرض أن الله اختار رسله إلى عموم البشر من الملائكة ، فإنه لا ينزلهم بصورهم الملائكية ، بل يجعلهم يتمثلون في صفة رجال يلبسون ما يلبس الرجال ، كي يتمكن الناس من الأخذ عنهم : ( وقالوا لولا أنزل عليه ملكٌ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون – ولو جعلناه ملكاً لَّجعلناه رجلاً وَلَلَبَسْنَا عليهم مَّا يلبسون ) [الأنعام : 8-9].
    (1/31)
    ________________________________________
    وقد أخبر تعالى أن طلب الكَفَرَة رؤية الملائكة ، ومجيء رسول من الملائكة ، إنما هو تعنت ، وليس طلباً للهداية ، وعلى احتمال حدوثه فإنهم لن يؤمنوا : ( ولو أننَّا نزَّلنا إليهم الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وحشرنا عليهم كلَّ شيءٍ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكنَّ أكثرهم يجهلون ) [ الأنعام : 111 ] .
    --------------------------------
    (1) صحيح مسلم : 1/554 . ورقمه : 806 .
    (2) صحيح الجامع : 1/80 .
    (3) مسند أحمد 5/391 ، واللفظ له . وصحيح سنن النسائي : 3/226 . ورقمه : 2975 .
    (4) صحيح البخاري : 1/18 . ورقمه : 2 .
    (5) صحيح البخاري : 1/27 . ورقمه : 4 .
    (6) صحيح البخاري : 1/30 . ورقمه : 6 .
    (7) صحيح البخاري : 6/5-3 . ورقمه : 3221 . صحيح سنن النسائي : 1/108 . ورقمه : 480 .
    (8) صحيح سنن أبي داود ، واللفظ له : 1/79 . ورقمه : 377 . وصحيح سنن الترمذي : 1/50 . ورقمه : 127 . وصحيح سنن النسائي عن أبي هريرة : 1/109 . ورقمه : 488 .
    (9) صحيح مسلم : 4/1718 . ورقمه : 2186 .
    المطلب الرابع
    تحريك بواعث الخير في نفوس العباد
    وكّل الله بكل إنسان قريناً من الملائكة ، وقريناً من الجنّ ، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة ) ، قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : ( وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير ) (1) .
    ولعلّ هذا القرين من الملائكة ، غير الملائكة الذين أمروا بحفظ أعماله ، قيَّضه الله له ليهديه ويرشده .
    (1/32)
    ________________________________________
    وقرين الإنسان من الملائكة وقرينه من الجنّ يتعاوران الإنسان ، هذا يأمره بالشر ويرغبه فيهي ، وذاك يحثه على الخير ويرغبه فيه ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأمّا لمة الشيطان ، فإيعاد بالشر ، وتكذيب بالحق ، وأمّا لمة الملك ، فإيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنّه من الله ، وليحمد الله ، ومن وجد الأخرى ، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ : ( الشَّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مَّغفرةً منه وفضلاً والله واسع عليمٌ ) [ البقرة : 268 ] )) .
    قال ابن كثير ، بعد إيراده لهذا الحديث : " هكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعاً ، عن هناد بن السري . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن هناد به ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وهو حديث أبي الأحوص ، يعني سلام بن سليم ... " .
    وانظر إلى الحديث التالي كي تعرف كيف يتسابق القرين الجني والقرين الملكي على توجيه الإنسان ، ذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أوى الإنسان إلى فراشه ، ابتدره ملك وشيطان ، فيقول الملك : اختم بخير ، ويقول الشيطان : اختم بشرّ ، فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه – يعني النوم – طرد الملك الشيطان ، وبات يكلؤه .
    فإذا استيقظ ، ابتدره ملك وشيطان ، فيقول الملك : افتح بخير ، ويقول الشيطان : افتح بشر ، فإن قال : الحمد لله الذي أحيا نفسي بعدما أماتها ، ولم يمتها في منامها ، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، الحمد لله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه ) (2) .
    (1/33)
    ________________________________________
    وهذه الأحاديث توجهنا إلى الإكثار من الأعمال الخيرة التي تصلح نفوسنا ، وتقرب الملائكة منّا ، ففي قرب الملائكة منا خير عظيم . وقد سبق ذكر حديث ابن عباس الذي يبين فيه تأثير لقيا الرسول صلى الله عليه وسلم بجبريل في شهر رمضان ، لمدارسته القرآن ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون حين ذاك أجود بالخير من الريح المرسلة (3) .
    --------------------------------
    (1) صحيح مسلم : 4/2168 . ورقمه : 2814 .
    (2) قال محقق كتاب الوابل الصيب معلقاً على هذا الحديث : " ورواه بمعناه ابن حبان رقم : (2362) ((موارد)) . والحاكم (1/548) وصححه ، ووافقه الذهبي ورجاله ثقات ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد : (10/120) وقال : رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح ، غير إبراهيم الشامي وهو ثقة . نقول وصوابه : إبراهيم بن الحجاج السامي بالسين المهملة " .
    (3) صحيح البخاري : 1/30 . ورقمه : 6 .
    المطلب الخامس
    تسجيل صالح أعمال بني آدم وسيئها
    الملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم من خير وشرّ ، وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى : ( وإنَّ عليكم لحافظين – كراماً كاتبين – يعلمون ما تفعلون ) [ الانفطار : 10-12 ] .
    وقد وكل الله بكل إنسان ملكين حاضرين ، لا يفارقانه ، يحصيان عليه أعماله وأقواله : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد – إذ يتلقَّى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ – مَّا يلفظ من قول إلاَّ لديه رقيب عتيد ٌ ) [ ق : 16-18 ] .
    ومعنى قعيد ، أي : مترصد . ورقيب عتيد ، أي : مراقب معد لذلك لا يترك كلمة تفلت .
    والظاهر أن الملائكة الموكلة بالإنسان تكتب كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال وأقوال ، لا يتركون شيئاً ؛ لقوله تعالى : ( مَّا يلفظ من قولٍ ) [ ق : 18 ] .
    (1/34)
    ________________________________________
    ولذلك فإن الإنسان يجد كتابه قد حوى كلّ شيء صدر منه ، ولذلك فإنّ الكفار ينادون يرون كتاب أعمالهم يوم القيامة قائلين : ( يا وَيْلَتَنَا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربُّك أحداً ) [ الكهف : 49 ] .
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ) (1) .
    وذكر ابن كثير في تفسيره عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية : ( عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ ) [ ق : 17 ] ، ثم قال : " يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ، ووكّل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك ، والآخر عن يسارك ، فأمّا الذي عن يمينك ، فيحفظ الحسنات ، وأما الذي عن يسارك ، فيحفظ السيئات ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا مت طويت صحيفتك ، وجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة ، فعند ذلك يقول الله تعالى : ( وكلَّ إنسان ألزمناه طَآئِرَهُ في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يَلْقَاهُ منشوراً – اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) [ الإسراء : 13-14 ] .
    ثم يقول الحسن : عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك .
    وذكر ابن كثير أيضاً عن ابن عباس في قوله تعالى : ( مَّا يلفظ من قولٍ إلاَّ لديه رقيب عتيدٌُ ) [ ق : 18 ] قال : " يكتب كلّ ما تكلم به من خير أو شر ، حتى إنّه ليكتب قوله : أكلت ، شربت ، ذهبت ، جئت ، رأيت . حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله ، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر ، وألقى سائره ؛ وذلك قوله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب ) [ الرعد : 39 ] .
    (1/35)

+ الرد على الموضوع
صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 1 2 3 4 5

المواضيع المشابهه

  1. العقيدة الصحيحة للشيخ الفوزان حفظه الله
    By أبوجرَاح in forum هـذه عـقـيــدتـنـــا
    مشاركة: 2
    آخر مشاركة: 05-03-2009, 21:04:21
  2. مشاركة: 2
    آخر مشاركة: 01-10-2007, 23:26:45
  3. مشاركة: 5
    آخر مشاركة: 23-08-2007, 23:52:09
  4. مشاركة: 4
    آخر مشاركة: 23-08-2007, 23:35:38
  5. المواعظ النبوية في العقيدة والأحكام والأخلاق :: للشيخ / عبد الله الحبيشي - بث حى
    By مسك وعنبر in forum المناشط الدعوية - البث الحي - البالتوك
    مشاركة: 0
    آخر مشاركة: 24-02-2006, 23:14:16

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك