إهداء (؟)
عرض النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: روائع دُرَيد بن الصـِّمـَّة فارس هوازن المنتقم

  1. #1
      مسكي  نشط  مميز  
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    5,296

    زهرة روائع دُرَيد بن الصـِّمـَّة فارس هوازن المنتقم

    روائع دُرَيد بن الصـِّمـَّة فارس هوازن المنتقم

    مقدمة:
    لو كانت في الجاهلية جوائز مثل نوبل وكان فيها فرع للفروسية أو الشعر لحاز شاعرنا الذي نتحدث عنه اليوم جائزة منها ، بل وربما أعطيت له جائزة في المجالين كسابقة نادرة، فشاعرنا جمع المجد من أطرافه واستحق أن يقال عنه (فارس الشعراء) أو (شاعر الفرسان) ، بل إن العجيب في فارسنا هذا ودوناً عن كثير من فرسان الجاهلية أنه كان يعشق الفروسية لذاتها بينما كان الفرسان غيره يمتهنونها للحصول على غرضٍ من مال أوشهرة.
    كان فارسنا كلما سمع عن فارس في قبيلة هب إليها محارباً ، بينما كان غيره من الفرسان إذا سمعوا بفارس في قبيلة حاولوا تجنبها ماأمكنهم ذلك، ولذلك فليس عجيباً أن يقارع فارسنا عدد من أبطال العرب ، بل والعجيب أنه كان إذا تمكن من فارسٍ ليس بينه وبينه ثأر فإنه لايقتله بل يطلقه...هل رأيتم أعجب من ذلك؟!...إن من يريد الشهرة من الفرسان لن يترك فرصة قتل فارس مشهور ، لكن فارسنا هذا لم يكن يعشق الفروسية للشهرة بل كان يعشقها لذاتها، ولذلك كان يكره أن يقتل كل من ينتمي إلى الفروسية حتى لو كان عدواً له. وليس عجيباً بعد ذلك أن يرتبط فارسنا بعلاقة صداقة مع عدد من فرسان العرب الذين كان على رأسهم فرسان قبيلة سليم معاوية وصخر ابنا عمرو بن الشريد أخوي الخنساء.

    نال شاعرنا الدرجة العظيمة في الفروسية حين أهلته فروسيته ليقول عنه فارس الفرسان عمرو بن معديكرب : " لو طفت بظعينة أحياء العرب ماخفت عليها مالم ألق حريها وعبديها " يعني بالعبدين عنترة والسليك الصعلوك، وبالحرين عامر بن الطفيل ودريد بن الصمة. كما نال الدرجة العظيمة في الشعر حينما أهله شعره ليقول عنه الأصمعي أحد أعظم نقاد الشعر الجاهلي : " هو في بعض أشعاره أشعر من النابغة الذبياني ، وقد كاد يغلبه " ، كما قدم عدد من نقاد الأدب العربي شعره على عنترة وقالوا : " لولا المعلقة لم يسبقه عنترة" ، وهو أشعر شعراء بادية الحجاز في الجاهلية غير مدافع.

    نبذة مختصرة عن الشاعر:
    شاعرنا إخوتي هو: دُرَيد بن الصـِّمـَّـة بن الحارث بن معاوية من بني غـُـزيَّـة بن جُشـَم بن معاوية بن بكر بن هوازن.
    كان أبوه الصمة من فرسان قومه المعدودين وكذلك كان أعمامه . وأم شاعرنا هي ريحانة بنت معديكرب أخت فارس اليمن المشهور عمرو بن معديكرب ، أسرها أبوه في إحدى غزواته ضد قبيلة زبيد واتخذها من بعد ذلك زوجة ً له عندما عَلِم أنها سليلة بيتٍ من بيوت أسياد اليمن وفرسانها على أمل أن ينجب منها فرساناً. وبالفعل فقد أنجبت ريحانة من الصمة خمسة أولاد كلهم كانوا فرساناً ولهم غزوات معدودة . والعجيب أن كل هؤلاء الإخوة ماتوا في غزوات كما كانوا يتمنون وكان آخرهم دريد الذي قـُتِل في معركة حنين حينما خرج مع المشركين ضد المسلمين وكان وقتها شيخاً يناهز المئة سنة فقتله أحد شباب المسلمين.
    كان شاعرنا دريد من أشهر فرسان العرب بل عـَدَّه بعض مؤرخي الأدب الجاهلي أعظم من عنترة ، وقد ذكروا أن دريداً غزا أكثر من مئة غزوة انتصر فيها ولم يغلب سوى في معركتين أو ثلاث كاد أن يقتل في إحداها . وقد صنع هو وأبوه وأعمامه وإخوته لقومهم مجداً جعل العرب تجعل في إحدى مفاخرها أن يكون من ضمن قتلاها أحد بني جـُشَم بن بكر ، وأشهر ماقيل من الفخر في ذلك ماورد في معلقة عمرو بن كلثوم حين يقول مفتخراً:

    وَأَمَّا يَـوْمَ لاَ نَخْشَـى عَلَيْهِـمْ
    فَنُمْعِــنُ غَـارَةً مُتَلَبِّبِيْنَــا
    بِـرَأْسٍ مِنْ بَنِي جُشْمٍ بِنْ بَكْـرٍ
    نَـدُقُّ بِهِ السُّـهُوْلَةَ وَالحُزُوْنَـا




    مصارع أقاربه ومراثيه فيهم وثأره لهم:
    ذكر رواة الأدب الجاهلي أن دريداً عاش جزءاً كبيراً من حياته ينتقم لكل من قـُتِل من أقاربه ، فقد انتقم لكل من قـُتِل من إخوته الأربعة ، كما انتقم لأحد أعمامه وكذلك لأحد أبناء عمه، كما قيل أنه هو من انتقم لمقتل أبيه من بني يربوع وبني سعد وهما فرعان من تميم حاربهما دريد بعد أن قتلوا أباه الصمة غدراً ، فغزاهم دريد ببني جشم وبني نصر فأوقع بهم وقتل فيهم، وذكر في ذلك أبياتاً منها:
    دعوت الحَيَّ نصراً فاستهلُّوا بشـُبـَّانٍ ذوي كرمٍ وشيبِ
    على جـُردٍ كأمثال السعالي ورِجلٍ مثل أهمية الكثيب
    فما جـَبـُنوا ولكنـَّا نصبنا صُدُور الشَّرعبِيَّة للقلوبِ

    - امَّا عمه خالد بن الحارث فقيل أنه خرج مع دريد يغزو بني أحمس وهم بطن من شنوءة من قبائل اليمن، فظفر دريد ومن معه واستاقوا إبل القوم وسبوا نساءهم، ولكن عمه خالداً أصيب بسهمٍ فقُتِل ، فقيل أن دريداً قتل رجالاً منهم انتقاماً لعمه، وقال يرثيه:
    ياخالداً خالد الأيسار والنادي وخالد الريح إذ هبـَّت بصُرَّادِ
    وخالد القول والفعل المعيش به وخالد الحرب إذ غصَّت بأوراد
    وخالد الرَّكب إذ جد السِّفار بهم وخالد الحيِّ لمـَّا ظـُنَّ بالزَّاد

    - وأمَّا إخوته فقد ذكرنا أن ريحانة أنجبت للصمة خمسة أبناءٍ كلهم كان فارساً بارزاً ، وعلى رأسهم شاعرنا وفارسنا دريد ، وعبد الله ويُسمَّى أيضاً غالب،وخالد، وقيس، وعبد يغوث.
    امَّا عبد الله فقيل أنه قُتِل في غزوةٍ له ضد قبيلة غطفان وكان معه في الغزوة دريد الذي كاد أن يُقتل فيها هو أيضاً. وأمَّا خالد فقتله بنو الحارث بن كعب حين هبَّ مُدافعاً عن حلفائه وجيرانه من بني نصر حين أغار عليهم بنو الحارث بن كعب . وامَّا قيس فقتله بنو أبي بكر بن كلاب. وأمَّا عبد يغوث فقد قتله بنو مُرَّة غِيلة ً.
    وقد انتقم دريد لكل من قتل من إخوانه . وليس عجيباً بعد ذلك التاريخ من البطولات لعائلة دريد أن يصف دريد عائلته بتلك القطعة الشعرية الرائعة التي تُعدُّ من عيون الشعر العربي ، والتي أوردها أبوتمام في كتاب الحماسة، وفخر دريد في هذه القصيدة بنفسه وإخوته ذاكراً أنهم لايفارقون السيف قاتلين أو مقتولين، وقد رثى فيها ثلاثة من إخوته هم عبد الله ، وقيس،
    وعبديغوث، وفيها يقول:
    تَقولُ أَلاَ تَبكِي أَخَـاكَ وَقَـد أَرَى
    مَكانَ البُكا لَكِن بُنيتُ عَلَى الصَبـرِ
    فَقُلتُ أَعَبدَ اللهِ أَبكـي أَمِ الَّـذي
    لَهُ الجَدَثُ الأَعلى قَتيلَ أَبِـي بَكـرِ
    وَعَبدُ يَغوثَ تَحجُلُ الطَيـرُ حَولَـهُ
    وَعَزَّ المُصابُ جَثوَ قَبـرٍ عَلى قَبـرِ
    أَبَى القَتـلُ إِلاَّ آلَ صِمَّـةَ إِنَّهُـم
    أَبَوا غَيرَهُ وَالقَدرُ يَجرِي إِلى القَـدرِ
    فَإِمّـا تَرَينـا لاَ تَـزالُ دِماؤُنـا
    لَدَى واتِرٍ يَسعى بِهَا آخِرَ الدَّهـرِ
    فَإِنّا لَلَحمُ السَيـفِ غَيـرَ نَكيـرَةٍ
    وَنَلحَمُهُ حيناً وَلَيسَ بِـذي نُكـرِ
    يُغـارُ عَلَينَـا واتِرِيـنَ فَيُشتَفَـى
    بِنَا إِن أُصِبنَا أَو نُغيـرُ عَلَـى وِتـرِ
    بِذَاكَ قَسَمنَا الدَّهرَ شَطرَينِ قِسمَـةً
    فَمَا يَنقَضِي إِلاَّ وَنَحنُ عَلَى شَطـرِ


    وفي هذه الأبيات السابقة يصف دريد صبره على مقتل إخوته ‘ فهو لايبكي مع أنهم يستحقون أن يُبكى عليهم ، وذكر ثلاثة منهم هم :عبد الله، وقيس قتيل أبي بكر، وعبد يغوث. ثم ذكر أن القتل يبحث عن آل صمة مجتهداً وهم يبحثون عنه ، فهم إما قاتلين لأقرانهم من الأبطال أو مقتولين يشقى أعداؤهم بقتلهم إلى آخر الدهر خوفاً من الأبطال الذين سوف يثأرون لهم.
    وآل صمة كما يقول دريد ليس عجيباً أن يكون لحمهم طعاماً للسيوف، كما ليس عجيباً أن يُطعموا لحم أعدائهم للسيوف . وحين يغير الأعداء على آل صمة ليثأروا لقتل أبطالهم فإنهم يشتفون بقتل أحدهم فهم أكفاء والعرب معروف أنهم حين يغيرون للثأر لايكفون عن القتل حتى يكون من القتلى شخص كفء لمن يثأرون له. كما أن آل صمة لايتركون ثأرهم أيضاً.
    وفي النهاية يقول دريد أنهم قسموا عمرهم نصفين فهم إما يغيرون على القبائل أو يدافعون عن قبيلتهم ضد غارات القبائل الأخرى فحياتهم الفروسية ولاحياة لهم غيرها.


    معركة اللـِّوى ومقتل عبدالله وثأره له ورثاؤه فيه:
    - قصة مقتل عبدالله هي أهم ما يمر بنا في حياة دريد لأنها تركت أثراً بليغاً في حياته، فعبدالله هذا والذي يُسمَّى أيضاً "غالب" كان أكبر إخوة دريد وسيِّد قبيلته ، كما كان أعز إخوة دريد لديه، وهو الذي تعلم دريد الفروسية على يديه ، وقد قُتِل بين يدي دريد بعد أن حاول دريد أن ينقذه ولكنه لم يستطع.
    وكان من قوة أثر مقتل عبدالله في نفس دريدٍ أنه كان يذكره في أكثر أشعاره التي رثى بها إخوانه الآخرين بينما كان يذكر بقية إخوانه في قصيدة أو اثنتين على الأكثر. وبينما كان يمر على ذكر إخوته الآخرين مروراً سريعاً في أكثر قصائده فإنه كان يتوقف طويلاً عند عبدالله ذاكراً محاسنه مسترجعاً لشيء من ذكرياته معه.
    - وكان من قصتهما أنهما خرجا مع نفرٍ من فرسان قومها من بني غُزيّة بن جشم بن بكر يريدون غزو غطفان ، وكان عبدالله قائدهم في تلك الغزوة التي سُمِّيَت فيما بعد" يوم اللوى" ، واستهدفوا في هذه الغزوة إبلاً لقبيلة غطفان وبالفعل نجحوا في استياق الإبل دون أن يُصاب منهم أحد ، ولكن فرسان قبلة غطفان عرفوا الأمر بأسرع مما كان يتوقع الغزاة ، وعرف دريد بخبرته في حرب القبائل أن غطفان من أسرع القبائل نذيراً ونفيراً ، فقال لأخيه عبدالله:"أسرِع في الهرب لتنجو وننجو معك!" فأخذت الحمِيَّة عبد الله وقال: " والله لا أهرب ولا أبرح مكاني حتى أقسم مرباعي وأنتقع نقيعتي " - والمرباع هو ربع الغنيمة يأخذه سيد القوم ، والنقيعة ناقة تنحر وسط الإبل ثم يسمها الرئيس على أصحابه. فأقام عبد الله وعصى أخاه دريد الذي لم يجد بُدًّا من أن يقيم مع أخيه لعلمه أن فرسان غطفان سيهاجمونه لامحالة.
    وبالفعل ماهو إلا قليل حتى ظهر فرسان غطفان وكان أكثرهم من بني فزارة وبني عبس، وكانوا يفوقون فرسان بني جشم عدداً وعدة. وبدأت المعركة وحمي وطيسها ،ولمَّا علم فرسان بني جشم أنهم مهزومين لامحالة شرعوا في الفرار لكن نخوة عبدالله ومروءته منعته من الفرار فبقي يصارع فرسان غطفان فأسقطوه وصاحوا: " أسقطنا فارساً من بني جشم!" ، فالتفت دريد إلى الصريخ ليعرف من الذي سقط فإذا به يرى الصريع أخوه عبدالله ، فكافح حتى وصل إليه ليدافع عنه ، ولكنه لم يصل إليه إلا وقد هلك بل وتناوشته الرماح حتى لم يبق فيه رمق، وأخذ دريد يبارزهم حتى أسقطوه هو أيضاً وجرحوه جروحاً بالغة ً وفقد وعيه، فظنوا أنه هلك فتركوه واستاقوا إبلهم . ثم إنه عاد منهم ثلاثة فرسان اثنان من بني عبس يقال لهما "الزهدمان" وثالث من بني فزارة يقال له"كُردُم" ، ومرُّوا على الجثث ليتأكدوا من الإجهار على من بقي فيه رمق، فشكـُّوا في أمر دريد وقال الزهدمان " لعله لم يَمُت" ، فضربه أحدهما برمحه، ثم قالوا لكردم "اضربه"، فعاد إليه فطعنه بالرمح في شرجه فخرج دم قد احتقن في جوفه فقيل أن دريد كان يقول بعدها أنه لولا طعنة كردم لمات...فسبحان الله!
    بعد رحيل فرسان غطفان أفاق دريدوأخذ يزحف ويقوم ويتخبط حتى وجد نفسه بين قائمتي ناقة لامرأة من هوازن فارتعبت المرأة لما رأت دريد وقالت: " أعوذ بالله منك " ،قال لها :" من أين أنتي؟" ،قالت: " أنا من هوازن"، فقال لها دريد : " أنا فارس هوازن دريد بن الصمة!".
    فأخذته المرأة وأخبرت به قومها الذين أخذوه فعالجوه ، ثم نقلوه إلى أهله.
    وظلَّ دريد عاماً كاملاً يتداوى من جراحه ، وطالت الفترة حتى ظن الناس أن دريداً نسي ثأر أخيه وهاب أن يقاتل جموع غطفان ؛ حتى أن أمَّه ريحانة قالت له وهي تريد أن تغضبه:" يابني إن عجزت عن الثأر لأخيك فاستعن بأخوالك من زبيد يساعدونك" ، فغضب دريد ومالبث بعد شفائه أن جمع عدداً من فرسان قومه وأغار بهم على جمع من قبائل غطفان في منطقة اسمها "الصلعاء" فقتل عدداً كبيراً منهم وأسر عدداً آخر ، وأجلاهم عن الصلعاء.
    وكان فيمن أسر منهم أحد فرسان بني عبس وساداتهم واسمه" ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب"، وكانوا يتهمون بني قارب بقتل عبدالله بن الصمة، ثم إن دريداً عندما عاد ومعه سيد بني عبس"ذؤاب" أراد بنو جشم أن يفادوه بمالَ كثير من بني عبس ، فرفض دريد الفداء وأخذ ذؤاب إلى فناء أمه ريحانة ، ثم قال لها:" ياأمة هذا ذؤاب بن أسماء سيد بني قارب الذين قتلوا عبدالله!" ، ثم قتله وقال لها: " هل بَلَغتُ مافي نفسك؟ّ" ، فقالت: " نعم مُتِّعتُ بك".

    - وفي المعركة التي قُتِل فيها عبد الله وفي رثاء عبدالله قال دريدٌ أجمل قصائده وأطولها وفيها يقول:

    أَرَثَّ جَديدُ الحَبـلِ مِـن أُمِّ مَعبَـدٍ
    بِعاقِبَـةٍ وَأَخلَفَـت كُـلَّ مَوعِـدِ
    وَبانَت وَلَم أَحمَـد إِلَيـكَ نَوالَهـا
    وَلَم تَرجُ فينـا رِدَّةَ اليَـومِ أَو غَـدِ
    مِنَ الخَفِراتِ لا سَقوطـاً خِمارُهـا
    إِذا بَـرَزَت وَلا خَـروجَ المُقَـيَّـدِ
    وَكُـلَّ تَبـاريـحِ المُحِـبِّ لَقيتَـهُ
    سِوى أَنَّنِي لَم أَلقَ حَتفي بِمَرصَـدِ
    وَأَنِّيَ لَم أَهلِك خُفاتاً وَلَـم أَمُـت
    خُفاتاً وَكُـلاًّ ظَنَّـهُ بِـيَ عُـوَّدي
    كَأَنَّ حُمولَ الحَيِّ إِذ تَلَعَ الضُحـى
    بِنا صِفَةِ الشَجنـاءِ عُصبَـةُ مِـذوَدِ
    أَوِ الأَثأَبُ العُـمُّ المُخَـرَّمُ سوقُـهُ
    بِشابَةَ لَـم يُخبَـط وَلَـم يَتَعَضَّـدِ
    أَعاذِلَ مَهلاً بَعضُ لَومِكِ وَاِقصِـدي
    وَإِن كانَ عِلمُ الغَيبِ عِندَكِ فَاِرشِدي
    أَعاذِلَتِـي كُلُّ امـرِئٍ وَاِبـنُ أُمِّـهِ
    مَتـاعٌ كَـزادِ الراكِـبِ المُتَـزَوِّدِ
    أَعاذِلَ إِنَّ الـرُزءَ فِي مِثـلِ خالِـدٍ
    وَلا رُزءَ فيما أَهلَكَ المَرءُ عَـن يَـدِ
    وَقُلتُ لِعارِضٍ وَأَصحَابِ عَـارِضٍ
    وَرَهطِ بَنِي السَوداءِ وَالقَومُ شُهَّـدي
    عَلانِيَـةً ظُنّـوا بِأَلفَـي مُدَجَّـجٍ
    سَراتُهُـمُ فِـي الفَارِسـيِّ المُسَـرَّدِ
    وَقُلتُ لَهُم إِنَّ الأَحاليفَ أَصبَحَـت
    مُطَنِّـبَـةً بَيـنَ السِّتـارِ فَثَهمَـدِ
    فَما فَتِئـوا حَتّـى رَأَوهـا مُغيـرَةً
    كَرِجلِ الدِبَى فِي كُلِّ رَبعٍ وَفَدفَـدِ
    وَلَمّا رَأَيتُ الخَيـلَ قُبـلاً كَأَنَّهـا
    جَرادٌ يُباري وِجهَةَ الريـحِ مُغتَـدي
    أَمَرتُهُمُ أَمـري بِمُنعَـرَجِ اللِّـوى
    فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلاَّ ضُحَى الغَـدِ
    فَلَمّا عَصَونِي كُنتُ مِنهُم وَقَـد أَرَى
    غِوايَتَهُـم وَأَنَّنِـي غَيـرُ مُهتَـدي
    وَهَل أَنا إِلاَّ مِن غَزِيَّـةَ إِن غَـوَت
    غَوَيتُ وَإِن تَرشُـد غَزيَّـةُ أَرشَـدِ
    دَعَانِي أَخِي وَالخَيـلُ بَينِـي وَبَينَـهُ
    فَلَمّا دَعَانِي لَـمْ يَجِدنِـي بِقُعـدَدِ
    أَخِـي أَرضَعَتنِـي أُمُّـهُ بِلِبانِهـا
    بِثَديِ صَفَـاءٍ بَينَنـا لَـمْ يُجَـدَّدِ
    فَجِئـتُ إِلَيـهِ وَالرِّمَـاحُ تَنوشُـهُ
    كَوَقعِ الصَياصِي فِي النَسيجِ المُمَـدَّدِ
    وَكُنتُ كَذاتِ البَوِّ ريعَت فَأَقبَلَـت
    إِلى جَلَدٍ مِن مَسكِ سَقـبِ مُقَـدَّدِ
    فَطاعَنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتّى تَنَهنَهَـت
    وَحَتّى عَلانِي حَلِكُ اللَّـونِ أَسـوَدِ
    فَمَا رِمتُ حَتّى خَرَّقَتنِـي رِماحُهُـم
    وَغودِرتُ أَكبو فِي القَنـا المُتَقَصِّـدِ
    قِتالُ اِمرِئٍ آسَـى أَخـاهُ بِنَفسِـهِ
    وَيَعلَـمُ أَنَّ الـمَرءَ غَيـرَ مُخَلَّـدِ
    تَنَادوا فَقَالوا أَردَتِ الخَيـلُ فَارِسـاً
    فَقلـتُ أَعبدُ اللهِ ذَلِكُـمُ الـرَّدي
    فَإِن يَـكُ عَبدُ اللهِ خَلّـى مَكانَـهُ
    فَما كانَ وَقّافـاً وَلا طائِـشَ اليَـدِ
    وَلا بَرِمـاً إِذا الرِيـاحُ تَناوَحَـت
    بِرَطبِ العِضاهِ وَالـهَشِيمِ المُعَضَّـدِ
    وَتُخرِجُ مِنهُ صَـرَّةُ القَـومِ جُـرأَةً
    وَطولُ السُرى ذَرِّيَّ عَضبٍ مُهَنَّـدِ
    كَميشُ الإِزارِ خارِجٌ نِصفُ ساقِـهِ
    صَبورٌ عَلى العَـزاءِ طَـلاَّعُ أَنجُـدِ
    قَليلُ تشِّكيـهِ المُصِيبَـاتِ حَافِـظٌ
    منَ اليومِ اعقابَ الأحاديثِ فِي غَـدِ
    صَبا مَا صَبا حَتّى عَلا الشَيبُ رَأسَهُ
    فَلَمّا عَـلاهُ قـالَ لِلباطِـلِ ابعَـدِ
    تَراهُ خَميصَ البَطنِ و الزَّادُ حاضـرٌ
    عَتِيدٌ و يَغدو فِي القَمِيـصِ المُقَـدَّدِ
    وَإِن مَسَّـهُ الإِقـواءُ وَالجَهـدُ زادَهُ
    سَماحاً وَإِتلافـاً لِما كَانَ فِي اليَـدِ
    إِذا هَبَطَ الأَرضَ الفَضـاءَ تَزَيَّنَـت
    لِرُؤيَتِـهِ كَالـمَأتَـمِ الـمُتَبَـدِّدِ
    فَـلا يُبعـدنكَ اللهُ حيّـاً و ميِّتـاً
    ومنْ يَعلُهُ رُكـنٌ مِنَ الأَرضِ يَبعُـدِ
    رئيسُ حروبٍ لا يزالُ ربيئةً مُشيحاً
    عَلَى مُحقوقـفِ الصُّلبـش مُلبِـدِ
    وَغَارةٍ بَينَ اليَومِ و الأَمـسِ فَلتـةٍ
    تَدَارَكتُهَا رَكضـاً بِسِيـدٍ عَمَـرَّدِ
    سَلِيمِ الشَّظَى عَبلِ الشَّـوى شَنِـخِ
    النَّسَا طَوِيلِ القَرا نَهدٍ أسيلِ المقلَّـدِ
    يَفوتُ طَويلَ القَومِ عَقـدُ عِـذارِهِ
    مُنيفٌ كَجِـذعِ النَخلَـةِ المُتَجَـرِّدِ
    فَكنـتُ كأنَّـي واثـقُ بِمُصَـدَّرٍ
    يُمَشِّي بِأَكنَافِ الحُبَيـبِ بِمَشهَـدِ
    لَهُ كُلُّ مَن يَلقى مِنَ النَّاسِ واحِـداً
    وَإِن يَلقَ مَثنى القَومِ يَفـرَح وَيَـزدَدِ
    وَهَوَّنَ وَجدي أَنَّنِـي لَم أَقُـل لَـهُ
    كَذَبتَ وَلَم أَبخُل بِما مَلَكَت يَـدي
    فإنْ تعقبِ الأيَّامُ و الدَّهـرُ تعلمـوا
    بَنِي قـاربٍ أنَّا غضـابٌ بِمعبـدِ




    - وفي انتقام دريد لأخيه عبد الله وقتله لذؤاب بن أسماء وهزيمته لغطفان قال دريد قصيدة جميلة أيضاً وهي في المرتبة الثانية بعد قصيدته الأولى وقد وردت في عدد من كتب المختارات الأدبية لجمالها ، وفيها يقول:

    يَا رَاكِبـاً إِمّـا عَرَضـتَ فَبَلِّغَـن
    أَبا غالِـبٍ أَن قَد ثَأَرنـا بِغالِـبِ
    قَتَلنـا بِعَبـدِ اللهِ خَيـرَ لِـداتِـهِ
    ذُؤابَ بنَ أَسماءَ بنِ زَيدِ بنِ قـارِبِ
    وَأَبلِغ نُمَيـراً إِن مَـرَرتَ بِدارِهـا
    عَلَى نَأيِها فَـأَيُّ مَولَـىً وَطالِـبِ
    وَعَبسـاً قَتَلناهُـم بِحُـرِّ بِلادِهِـم
    بِمَقتَلِ عَبـدِ اللهِ يَـومَ الذَنائِـبِ
    جَعَلنَا بَنِي بَدرِ وَشَمخـاً وَمازِنـاً
    لَنَا غَرَضـاً يَزحَمنَهُـم بِالمَناكِـبِ
    فَلِليَومِ سُمّيتُـم فَـزارَةَ فَاصبِـروا
    لِوَقعِ القَنا تَنـزونَ نَـزوَ الجَنـادِبِ
    فَإِن تُدبِروا يَأخُذنَكُم فِي ظُهورِكُـم
    وَإِن تُقبِلـوا يَأخُذنَكُـم بِالتَرائِـبِ
    وَإِن تُسهِلوا لِلخَيلِ تُسهِل عَلَيكُـمُ
    بِطَعنٍ كَإيزاعِ المَخاضِ الضَـوارِبِ
    إِذا أَحزَنوا تَغـشَ الجِبـالَ رِجالُنـا
    كَمَا استَوفَزَت فُدرُ الوُعولِ القَراهِبِ
    تَكُرُّ عَلَيهُـم رَجلَتِـي وَفَوارِسـي
    وَأُكرِهَ فيهُم صَعدَتِي غَيـرَ ناكِـبِ
    وَمُرَّةَ قَـد أَخرَجنَهُـم فَتَرَكنَهُـم
    يَروغونَ بِالصَلعـاءِ رَوغَ الثَعالِـبِ
    وَأَشجَعَ قَد أَدرَكنَهُـم فَتَرَكنَهُـم
    يَخَافونَ خَطفَ الطَيرِ مِن كُلِّ جانِبِ
    وَثَعلَبَةَ الخُنثَـى تَرَكنـا شَريدَهُـم
    تَعِلَّـةَ لاهٍ فِـي البِـلادِ وَلاعِـبِ
    وَلَولا جَنانُ اللَيلِ أَدرَكَ رَكضُنا بِذي
    الرِمثِ وَالأَرطى عِياضَ بنَ ناشِـبِ
    فَلَيتَ قُبـوراً بِالمَخاضَـةِ أَخبَـرَت
    فَتُخبِرُ عَنّا الخُضرَ خُضرَ المُحـارِبِ
    رَدَ سناهُمُ بِالخَيلِ حَتّـى تَمَـلأَّت
    عَوافِي الضِباعِ وَالذِئابِ السَواغِـبِ
    ذَرينِي أُطَـوِّف فِي البِـلادِ لَعَلَّنِـي
    أُلاَقِي بِإِثـرٍ ثُلَّـةً مِـن مُحـارِبِ




    - ثم لم يزل دريد يغزو غطفان وبالأخص قبائلها التي شاركت في موقعة" اللِّوى" التي قُتل فيها عبدالله وبالتحديد بني عبس وبني فزارة،فأوقع بهم في يوم مشهود لهوازن على غطفان وهو"يوم الغدير" ، وفيه أيضاً أوقع ببني مُرَّة الذين قتلوا أخاه عبد يغوث غدراً، وفي ذلك يقول من قصيدة طويلة:
    فأبلغ سليمى وألفافها وقد يَعْطِفُ النَّسَبُ الأكبرُ
    بأنِّي ثأرت لإخوانكم وكُنت كانـِّي بهم مُخـْفِرُ
    صبحنا فزارة سُمْر القنا فمهلا ً فزارة لاتـَضْجَروا
    وأبلغ لديك بني مازن ٍ فكيف الوعيد ولم تقدِروا

    - وأمَّا خبر مقتل أخيه خالد ففيه : أن بني الحارث بن كعب أغاروا على بني نصر بن معاوية جيران بني جُشَم وأبناء عمومتهم ، فانتصر بنو الحارث بن كعب فغنموا وأسروا ناساً من بني نصر ، وبلغ الخبر بني جُشم فلحقوهم ورئيس بني جشم يومئذٍ "مالك بن حزن"، فاستنقذوا ماكان بأيديهم من غنائم بني نصر وأسراهم ، وأسروا من بني الحارث فارساً يقال له"ذو القرن"، وفقؤوا عين سيد بني الحارث في تلك الغزوة واسمه"شهاب بن أبان" ،وقُتل يومئذٍ خالد بن الصمة وكنيته "أبو جعد"، ولم يشهد دريد ذلك اليوم، فلما رجعوا قتلوا ذا القرن الحارثي بخالد بن الصمة،فقال دريد يرثي أخاه خالد:
    أ ُميم أجِدي عافي الرزء واجشمي
    وشُدِّي على رزءٍ ضلوعكِ وابؤسي
    حرامٌ عليها أن ترى في حياتها
    كمثل أبي جَعـْدٍ فعودي أو اجلسي
    أعفَّ وأجدى نائلاً لِعشيرةٍ
    وأكرمَ مَخـْلودٍ لدى كل مجلس ِ
    وألينَ منه صَفـْحة ً لـِعـَشـِيرة ً
    وخيراً أبا ضيف ٍ وخيراً لمـَجْـلـِسِ
    تقول هلالٌ خارجٌ من غمامةٍ
    إذا جاء يجري في شليل ٍ وقـَوْنس
    يشُدُّ متون الأقربين بهاؤه
    وتخبُثُ نفسُ الشانئِ المـُتـَعـَبـِّس ِ


    قصته مع رَبِيعة بن مُكـَدِّم :
    - تورد عدد من روايات الجاهلية ربيعة بن مكدم الكِناني كأسطورةٍ من أساطير البطولة العربية ، ولكن كما نعرف من طبيعة الأساطير فإن بعضها لا أصل له ، وقد نفى بعض الأدباء أن يكون ربيعة هذا شخصاً معروفاً ، بل قالوا إن قصصه كلها كانت من تخيلات العرب ومن تأليف الوضاعين من القصاصين ، ولكن من يُثبت وجود ربيعة من الأدباء يعتمدون في ذلك على قصته مع دريد التي جاءت برواية الراوية الخبير بالشعر الجاهلي أبو عبيدة معمر بن المثنى، ووردت في عدد من كتب الأدب الموثوقة وعلى رأسها "أمالي أبي علي القالي"، كما وردت في الأغاني برواية أبي عبيدة وأوردها أبو الفرج في سياق القصص الموثوقة ، مع أنه علق على عدد من القصص المروية عن دريد إلا أن هذه لم تكن من ضمنها ،وعلى ذلك نعلم أن أبا الفرج يثبتها ، وفي القصة:
    أن دريد بن الصمة فارس هوازن خرج يوماً في فوارس من بني جشم يريد الغارة على بني كنانة ؛ فلما كان بواد لبني كنانة في طرف الدهناء يقال له ( الأحزم ) رُفِع له رجل من ناحية الوادي ومعه ظعينة (فتاة). فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه : صِحْ به أن خل عن الظعينة ، وانج بنفسك - وهو لا يعرفه - فانتهى إليه الرجل ، وألح عليه ، فلما أبى ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة :
    سيري على رسلك سير الآمن سير رداح ذات جأش ساكن
    إن انثنائي دون قرني شائني أبلي بلائي ، واخبري ، وعايني

    ثم حمل على الفارس فصرعه ، وأخذ فرسه فأعطاه الظعينة .
    فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه ؛ فرآه صريعاً ، فصاح به ، فتصامم عنه ، فظن أنه لم يسمع فغشيه ، وألقى زمام الراحلة إلى الظعينة ، ثم حمل على الفارس فصرعه ، وهو يقول :
    خـَلِّ سبيل الحرة المنيعة إنك لاق ٍ دونها ربيعة
    في كـفه خَطـِّية مطيعة أولا فخذها طعنة سريعة
    فالطعن مني في الوغى شريعة

    ثم حمل عليه فصرعه .
    فلما أبطأ على دريد بعث فارسا آخر ، لينظر ما صنعا ، فانتهى إليهما ، فرآهما صريعين ، ونظر إليه يقود ظعينته ، ويجر رمحه ، فقال له الفارس : خـَلِّ عن الظعينة . فقال لها ربيعة : اقصدي قصد البيوت ، ثم أقبل عليه ،فقال :
    ماذا تريد من شتيم عابس ألم تر الفارس بعد الفارس
    أرداهما عامل رمح يابس

    ثم طعنه فصرعه ، فانكسر رمحه . ولما أبطأ عن دريد ارتاب ، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة ، وقتلوا الرجل ، فلحق بهم فوجد ربيعة بن مكدم لا رمح معه ، وقد دنا من الحي ؛ ووجد أصحابه قد قـُتلوا ، فقال له دريد : أيها الفارس ؛ إن مثلك لا يـُقتل ، وإن الخيل ثائرة بأصحابها ، ولا أرى معك رمحا ، وأراك حديث السن ؛ فدونك هذا الرمح ؛ فإني راجعٌ إلى أصحابي فمثبطهم عنك . وأتى دريد أصحابه ، فقال : إن فارس الظعينة قد حماها ، وقتل فرسانكم ، وانتزع رمحي ، ولا طمع لكم فيه ؛ فانصرف القوم ،

    وقال دريد :
    ما إن رأيت ولا سمعت بمثله حامي الظعينة فارسا لم يقتل
    أودى فوارس لم يكونوا نِهْزةً ثم استمـرَّ كـأنَّـه لم يـفـعـل ِ
    متهلـِّلا ً تبدو أسِرَّة ُ وجهه مثل الحسام جَلـَتـْه كفُّ الصيقَل ِ
    وترى الفوارس من مخافة رمحه مثل البغاث خشين وقع الأجدل ِ
    ياليت شِعري من أبوه وأمه ؟ يا صاح ِ من يكُ مثله لا يُجهل ِ

    ...وهنا قبل إكمال القصة نتأمل قليلا ً في عشق دريد للفروسية ؛ فمن الصعب على أي أحد أن يرى فارساً يقتل ثلاثة ً من قومه ثم يرى هذا الفارس أعزلا ً ولايقتله ، ولكن دريداً فعلها لأنه يعشق الفروسية ويكره أن يرى فارساً مثل ربيعة مقتولا ً . ولكن ربما نجد من يقول : بل لعل ربيعة غلب دريداً وأخذ رمحه بالفعل ومَنَّ عليه بالحياة ...هاهاها! نعم لم لا ،ثم إن هذه القصة حكاها دريد بعد مقتل ربيعة...إذن احكي يادريد كما تشاء فمن يعرف القصة الحقيقية مات!
    طيب اسمعوا ترا كل هذا الكلام مزح لاتصدقونه ،وبعدين لو سمحتوا ممنوع الكلام على دريد لأنه من الجماعة واللي يبغى يزعلني يتكلم فيه! وبعدين أحبابي انتظروا تكملة القصة لأن المرأة التي كانت مع ربيعة هي التي حكتها...

    ...المهم لم تلبث كنانة وهي القبيلة التي منها ربيعة أن أغارت على بني جُشم فقتلوا ناساً وأسروا دريد (ياعيباه يادريد والله راحت علومك! مرة مجروح ومرة مأسور أين المئة غزوة المظفرة؟! اعذروه ياشباب الله العالم انه وقتها كان كبير في السن) فأخفى دريد اسمه عن الناس خجلاً من أن تتسامع العرب أن دريداً أ ُسر، وبينما هو عند آسره إذ جاء نسوةُ يتهادين ، فصرخت إحداهن وقالت:" هلكتم والله وأهلكتم ! ماذا جرَّ علينا قومنا ؟!هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه!" ( هاااه سمعتم كلام المرأة؟! يعني دريد صادق) فسألوه : من أنت؟ فقال:" أنا دريد بن الصمة! فمن صاحبي؟!" قالوا: ربيعة بن مكدم . قال : فما فعل؟ .قالوا: قتله حلفاؤكم من بني سليم. قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة: أنا هي وأنا امرأة ربيعة.
    فحبس القوم دريد وآمروا أنفسهم فكيف يتركون فدية فارس فرسان هوازن فهي لن تقل عن الآلاف من الإبل. فقال بعضهم: لاينبغي أن نكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال آخرون: والله لايخرج من أيدينا إلا برضا الذي أسره. فانبعثت المرأة في الليل وهي ريطة بنت جذل الطعان تقول أبياتاً منها:
    سنجزي دريداً عن ربيعة نعمةً
    وكُلُّ امرئٍ يُجزى بما كان قدَّما
    فلو كان حيًّا لم يضِق بثوابه
    ذراعاً غنيـًّا أو كان مُعدِما

    فلما أصبحوا أطلقوه فكسته المرأة وجهزته ولحق بقومه، فلم يزل كافـًّا عن بني فراس حتى هلك.


    صداقته مع فرسان بني سليم وقصته مع الخنساء:
    - ليس للفارس سوى الفرسان ،والناس ينجذبون لأشباههم ؛ وكذلك كان دريد فكان لايُرافق سوى الفرسان ، وقد اشتهر أن دريد تحالف مع معاوية بن عمرو بن الشريد السلمي أخو الخنساء ، وتواثقا إن هلك أحدهما أن يرثيه الباقي بعده وإن قُتل أن يطلب بثأره،فقُتل معاوية على يد هاشم بن حرملة فكان دريد يحث بني سليم على الثأر لمعاوية وعرض عليهم المساعدة بكل مايستطيع ليصلوا لثأرهم، لكن فرسان بني سليم لم يكونوا بالضعفاء لينتظروا دريداً ليثأر لمعاوية ؛ فقد كان منهم فرسان ليسوا في الشُّهرة دون دريد وعلى رأسهم العباس بن مرداس(ابن الخنساء أخت معاوية)، وخفاف بن ندبة ابن عم معاوية. وبالفعل فقد ثأر خفاف بن ندبة لمعاوية فقتل قاتله هاشم بن حرملة كما قتل به مالك بن حمار الشمحي فارس بني فزارة وسيدهم ‘ ورثى دريد صديقه معاوية في قصيدة جميلة منها:
    وإن الرزء يوم وقفت أدعو
    فلم أسمع معاوية بن عمرو
    ولو أسمعتة لسرى حثيثاً
    سريع السعي أو لأتاك يجري
    بشكة حازم ٍ لا عيب فيها
    إذا لبس الكـُماة جلود نمرِ
    فعَزَّ عليَّ هلكك يا ابن عمرو
    ومالي عنك من عزمٍ وصبرِ

    - وكان دُريد قبل قتل معاوية قد رأى الخنساء(تماضربنت عمرو) أخت معاوية ، فتعلق قلبه بها وأراد أن يتزوجها ، وقال فيها أبياتاً منها:
    حَيّوا تُماضِـرَ وَاِربَعـوا صَحبِـي
    وَقِفـوا فَـإِنَّ وُقوفَكُـم حَسبِـي
    أَخُناسُ قَـد هَـامَ الفُـؤادُ بِكُـم
    وَأَصابَـهُ تَبَـلٌ مِـنَ الـحُـبِّ


    وخطبها دريد من أخيها معاوية، ولكنها رفضت الزواج من دريد، وكان عذرها أنه كان يكبرها سناً ولم يكن من الكرماء المشهورين ؛ كما أن الفتاة في ذلك الزمان وفي كل زمان تتخوف من الزواج من خارج مجتمعها لأنها تعلم أن كرامة الغريبة لن تكون ككرامة ابنة المجتمع نفسه فأحبت أن تتزوج من قومها، فحاول أخوها معاوية أن يجبرها على دريد فأبت بشدة ، وقالت في ذلك:
    أتـُكرِهني هُبـِلت على دريدٍ
    وقد أحرمت سيد آل بدر ِ
    معاذ الله ينكحني حبركي
    قصير الشبر من جُشم بن بكر
    يرى مجدًا ومكرمة ً أتاها
    إذا عشَّى الصَّديق جريمَ تمر ِ

    فقال دريد بعد أن علم برفضها قصيدة منها:
    لِمَن طَلَلٌ بِذاتِ الخَمـسِ يُمسِـى
    عَفا بَينَ العَقيـقِ فَبَطـنِ ضَـرسِ
    أُشَبِّهُـها غَمامَـةَ يَـومِ دَجـْنٍ
    تَلألأَ بَرقُهـا أَو ضَـوءَ شَمـسِ
    فَأُقسِم ما سَمِعتُ كَوَجدِ عَمـروٍ
    بِذاتِ الخـالِ مِن جِـنٍّ وَإِنـسِ
    وَقـاكِ اللهُ يَا ابنَـةَ آلِ عَـمـروٍ
    مِـنَ الفِتيـانِ أَمثالِـي وَنَفسِـي
    فَلا تَلِـدي وَلا يَنكَحـكِ مِثلِـي
    إِذا مـا لَيلَـةٌ طَرَقَـت بِنَحـسِ
    إِذا عُقبُ القُـدورِ تَكَـنَّ مـالاً
    تُحِبُّ حَلائِـلُ الأَبـرامِ عِرسِـي
    لَقَد عَلِـمَ المَراضِـعُ فِي جُمـادَى
    إِذا اِستَعجَلـنَ عَن حَـزٍّ بِنَهـسِ
    بِـأَنّـي لا أَبيـتُ بِغَيـرِ لَحـمٍ
    وَأَبدَءُ بِالأَرامِـلِ حِيـنَ أُمسِـي
    وَأَنِّـي لا يَهِـرُّ الضَيـفَ كَلبِـي
    وَلا جَاري يَبِيتُ خَبِيـثَ نَفسِ
    وَتَـزعُـمُ أَنَّنِـي شَيـخٌ كَبيـرٌ
    وَهَل أَخبَرتُها أَنِّـي ابـنُ أَمـسِ
    تُريـدُ أُفَيحِـجَ القَدَمَيـنِ شَثنـاً
    يُقَلِّـعُ بِالجَديـرَةِ كُـلِّ كِـرسِ

    وَما قَصُرَت يَدي عَن عُظـمِ أَمـرٍ
    أَهُمُّ بِـهِ وَمـا سَهمـي بِنَكـسِ
    وَمَا أَنا بِالمُزَجّـى حِيـنَ يَسمُـو
    عَظيـمٌ فِي الأُمـورِ وَلا بِوَهـسِ




    نظرة على شاعرية دريد وشهرته:
    - قضَى دريد حياته بين الغزوات والثأر لأحبابه وتدبيج الأشعار بالفخر بفروسيته ورثاء إخوته، وقد قيل على التحقيق أن لدريداً أكثر من مئة غزوة مظفرة غير الغزوات التي خسر فيها وهي قليلة بالطبع لاتتجاوز الثلاث أو الأربع.
    كان دريد أشهر شعراء بادية الحجاز بلا منازع ، ولكم أن تتخيلوا أن شعراء المعلقات كلهم لم يكن بينهم شاعرٌ حجازي ، كما أنه لم يذكر من شعراء الحجاز بين فحول الجاهلية إلاَّ قلة على رأسهم : قيس بن الخطيم الأوسي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي وهم من شعراء حاضرة الحجاز، ودريد بن الصِّمَّة الجُشَمي وهو من بادية الحجاز.


    القصص الموضوعة على دريد(أسبابها والرد عليها):
    1-ما قيل عن تخاذله أمام قبائل اليمن:
    ولعل كون دريد على رأس هؤلاء القلة من فحول شعراء الحجازهو ماجعل كثيراً من الوضاعين للقصص والأشعار ينسبون إلى دريد الكثير من القصص والأشعار المكذوبة التي تنبَّه لها كبار نقاد الأدب الجاهلي ونبَّهوا إليها، فقد كان بعض الوضاعين من رواة القصص والشعر الجاهلي ذوي الميول اليمنية أو النجدية عندما يريدون تفضيل القبائل التي يميلون إليها على القبائل الحجازية لايجدون سوى دريد ليضعوا عليه القصص والأشعار ويظهرونه في هذه القصص في صورة الضعيف المستجدي ...وأشهر ماورد من ذلك هي القصص التي أوردها محمد بن السائب الكلبي وصور فيها دريداً ضعيفاً أمام قبائل اليمن من بني الحارث بن كعب وخثعم مع أن دريد لم يكن كذلك قطعاً! وكيف ذلك وانتصاراته عليهم يحكي بها التاريخ؟! بل كان مَن دونه في الفروسية من قبائل الحجاز لايخشون قبائل اليمن فكيف بدريدٍ فارس الحجاز كلها.
    والجدير بالذكر أن كثيراً من نقاد الأدب كانوا يحذرون من مرويات محمد بن السائب التاريخية والأدبية لأنه كان مشهوراً بالوضع والتلاعب في القصص والأشعار، وقد نص أبو الفرج الأصفهاني على تكذيب محمد بن السائب الكلبي ونبه لمروياته التي أوردها له في كتاب الأغاني ، وأشهر روايات ابن الكلبي التي كذبها النقاد هي تلك الرواية التي ذكر فيها كيف غزت خثعم قبيلة دريد وسبت نساء جيرانه وأخذت أموالهم ، وذكر فيها أن دريداً ظل أعواماً لم يستطع فيها أن يغزو خثعم وصوَّره في صورة الجبان ثم صوَّر كيف أنه لم يتحرك لاسترجاع ما أخذته خثعم إلا بعد أن عيَّره جيرانه وقومه بذلك وبعد قصيدة قالها أحد جيرانه عَرَّض به فيها، وعندما تحرك لم يكن ذلك بالقـُوَّات بل كان ذلك بالاستجداء من سيد بني الحارث بن كعب ليعينه على رد أمواله وأموال جيرانه، وصور لنا رحلة دريد لبني الحارث بن كعب وما رآه في تلك القبيلة في مشاهد من وحي الخيال الواسع الذي يتفوق على خيالات من وضعوا قصص"ألف ليلة وليلة". كما أخذوا على ابن الكلبي تلاعبه بقصة الرجل الذي قتل فوارس دريد فقال أنه مسهر بن يزيد من بني الحارث بن كعب بينما المشهور أنه هو ربيعة بن مكدم الكناني.

    2- ماقيل عن صداماته مع عنترة العبسي:
    - كما وضع القـُصَّاص قصصاً عن صدامات حصلت بين عنترة بطل عبس مع دريد بن الصمة بطل بني جشم بن بكر ولو حصل لقاء مثل هذا بينهما لكان أشهر من أن يخفى على نقاد الأدب الجاهلي ورواته الموثوقين،ولحصل نتيجة هذا اللقاء قصص وأشعار عظيمة، كما أنه من الغريب أن يلتقي مثل هذان البطلان ولايصرع أحدهما الآخر.
    ولكن أليس من حق المتابعين للأدب الجاهلي أن يستغربوا عدم اصطدام عنترة العبسي مع دريد مع مانعرفه من عداوة دريد لقبيلة عبس وثأره عندهم وغزواته الكثيرة لهم ومواقعه المشهورة معهم ،ومع مانعرفه من أن دريداً وعنترة عاشا في زمن واحد؟!...نقول نعم من حقهم الاستغراب ولكن قد تنتفي الغرابة إذا توقـَّعنا أن غزوات دريد لعبس كانت قبل صعود نجم عنترة. والذي ينفي الغرابة أكثر هو معرفة أن قبيلة عبس كانت تنقسم إلى فروع وكان بعضها يسكن على حدود الحجاز مع نجد ،بينما البعض الآخر كانوا يسكنون أعالي نجد بعيداً عن الحجازوهؤلاء الأخيرين هم الذين نعلم علم اليقين أن عنترة كان منهم ،وهذا مايجعلنا نستبعد حدوث صدام بين هذا الفرع من عبس وقبيلة دريد، ولو كان هذا الفرع هو الذي غزاه دريد لسمعنا في المذكور من شعره أحد مشاهيرهم الذين نعرفهم مثل بني زياد، أو قيس بن زهير ،أو الورد بن حابس وابنه عروة الصعاليك، ولحصل بين دريد وعنترة صدامات شعرية هائلة! وكم يلذ لنا لو أن ذلك حصل ، ولكن أغلب الظن ومايقضي به التحقيق العلمي الدقيق هو أن ذلك اللقاء لم يحصل.


    3-أشعاره في بعض قبائل الحجاز:
    - كما اشتهر عند نقاد الأدب الجاهلي فإن تدوين الشعر لما بدأ وأخذ بعض كبار الرواة أمثال الأصمعي وأبوعمرو بن العلاء والمُفَضَّل الضَبِّي يأخذون الشعر مِن الرواة من الأعراب ومِن غيرهم أخذ بعض الرواة يضعون بعض القصص على بعض مشاهير الشعراء ليفضلوا فيها قبيلة من القبائل على غيرها ، وقد وضع بعض هؤلاء الرواة بعض الأشعار على لسان بعض شعراء الحجاز ومنهم دريد حينما حاولت بعض القبائل الحجازية أن تجعل لنفسها شهرة في التاريخ العربي... ومايدلك على بعض ذلك أن تجد تناقضاً غريباً بين بعض هذه القصائد ، وتجد أحياناً أشياء تستغربها ، فنجدهم يروون قصيدة لشاعر يمدح عدواً له دون أن نعلم فضلاً يدين به هذا المادح للممدوح؛ فنحن نشك في كل مارُوي من قصائد لدريد يمدح فيها بعض الأشخاص أو العوائل القرشية، وكيف لانشك في ذلك ونحن نعلم العداوة القوية بين قبائل هوازن وقريش والتي نتجت عنها حروب الفجار، ومما نشك فيه قصيدة ٌ قيل أن دريداً مدح فيها عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، والذي يجعلنا نشك في تلك القصيدة أن هناك قصيدة أخرى لدريد في هجاء عبدالله بن جدعان، فياللعجب من هذا التناقض أيعقل أن يمدح شاعرٌ شخصاً ثم يهجوه ، أو يهجوه ثم يمدحه دون سبب؟!

    4- قصيدة دريد في تهديد الفرس هل هي مختلقة؟!:
    - أوردت بعض كتب الأدب والروايات الشعرية قصيدة لدريد يتهدد فيها الـفـُرْس، وبمجرد معرفتنا لذلك فلايتبادر لذهننا أي شك في أن هذه القصيدة مكذوبة وموضوعة على دريد.
    فكيف لدريد أن يهجو الفـُرس وبينه وبينهم آلاف الأميال؟ ولماذا يهجوهم وهم لم يرتكبوا أي جناية ضده؟ ثم كيف يتهددهم وهو وقبيلته لم يستطيعوا أن يقفوا ضد أبرهة الأشرم الذي كان ينوي أن يهدم الكعبة ويهين العرب أجمع ، ولم تكن قوة أبرهة التي فرَّت منها هوازن تبلغ عشر معشار قوة الفـُرس؟! والعجيب أن نرى دريداً في هذه القصيدة يشجع قومه على قتال أبرهة مع أن المشهور أن هوازن لم تتعرض لجيش أبرهة بسوء . ونحن لانقول أن دريد وقبيلته كانت تنقصهم الشجاعة أمام جيوش فارس ولكنهم كانوا يعلمون أنهم بتفرقهم ونزاعاتهم وبساطة أسلحتهم وقلة خبرتهم العسكرية في الحروب المنظمة لايستطيعون الصمود أمام جيوش الدولة الفارسية.
    دعك عزيزي من الذين يقولون أن دريداً كان له شعور قومي قوي وقد تعاطف مع قبائل بكر حينما حاربوا الفـُرس! أين كان هذا الشعور القومي حينما قتل وسبى وشرد الكثير من القبائل العربية! ويرد ذكر القضاء والقدر في أحد أبيات القصيدة وكأن الذي يقولها شاعرٌ إسلامي وليس شاعراً وثنياً لا يعترف بالقضاء والقدر.
    ثم إن من ينظر إلى القصيدة يجدها لاتليق بدريد! نعم هي جميلة في بعض أبياتها لكنها لاتحمل خصائص شعر دريد الذي نعرفه، ولنلق نظرة على هذه القصيدة التي نجد فيها ضعفاً لغوياً لايجدر أن يقع فيه أحد أفصح العرب ، كما يوجد فيها سقطات غبية لايَصِحُّ أن يقع فيها شاعر مثل دريد ، فلو تأملت قليلاً البيت الذي يقول فيه " فما توهمت أني خضت معركة" هل كان دريد يتوهم معاركه ؟ ...نعم إخواني نحن لانحب الفرس المجوسيين ولايهمنا إن أهانهم دريد أم لم يهنهم بل يكون هذا من دواعي سرورنا كلما وجدنا العرب أعزاء أمام الفرس ، لكن هل يشفع كل هذا لنا أن نكذب وأن ندنس شاعرية دريد بقصيدة لاتليق به ؟!
    ونترككم تتأملون هذه القصيدة وقولوا لنا هل تليق مثل هذه القصيدة المليئة بالسَّقطات اللغوية بشاعرٍ فصيح مثل دريد:

    يـا هندُ لاتنكري شَيبي ولا كِبَري

    ولـي جـنـانٌ شديدٌ لو لقِيتُ بِهِ

    فـمـا توهمتُ أني خُضتُ iiمعركةً

    كَـمْ قَـدْ عَرَكْتُ مع الأيامِ نائِبةً

    عُـمري مع الدهر موصولٌ بآخرهِ

    ويـلٌ لكِسرى إذا جَالَتْ فَوَارِسُنا

    أولادُ فـارِسَ مـالـلعهدِ عِندهمُ

    يـمـشونَ في حُلَلِ الدِيباجِ ناعِمةً

    ويـومَ طَعْنِ القَنا الخَطي تَحْسَبُهُمْ

    غـداً يـرون رجالاً من فوارسِنا

    خُلِقْتُ لِلحربِ أُحْمِيها إذا بَرَدَتْ

    يـا آل عَدْنانَ سِيروا واطلبوا رَجُلاً

    قـد جـدَّ في هدِّ بيتِ الله مجتهداً

    وعـن قَـلـيلٍ يُلاقي بَغْيَهُ وَيرى

    ويُـبـتلى برجالٍ في الحروب لَهُم

    الـمـوتُ حلوٌ لما لاقتْ شَمائلهم

    والـنـاسُ صنفانِ هذا قلبهُ خَزَفٌ

































    فَـهِـمتي مِثل حَدِ الصارمِ الذَّكَرِ

    حوادث الدهر ما جارت على بَشَرِ

    إلا تَـرَكْـتُ الدِما تَنْهلُّ كالمطرِ

    حتى عَرَفْتُ القضا الجاري مع القدرِ

    وإنـمـا فـضلهُ بالشمس والقمر

    فـي أرضـهِ بـالقنا الخَطِيةِ السُّمُرِ

    حِـفـظٌ ولا فـيهمُ فخرٌ لِمفتَخِرِ

    مشيَ البناتِ إذا ما قُمْنَ في السحرِ

    عاناتِ وحشٍ دهاها صوتُ مُنْذَعِرِ

    إن قاتلوا الموتَ ما كانوا على iiحَذَرِ

    وأجـتـنـي مِنْ جَناها يانِعِ الثمرِ

    مِـثـالهُ مِثلُ صوتِ العارض المطرِ

    بِـعَـزْمَةً مِثل وَقْعِ الصارمِ الذكرِ

    حـربـاً أشدَّ عَلَيهِ مِن لظى سَقَرِ

    بـأسٌ شـديـدٌ وفِيهم عزمُ مُقْتَدرِ

    وعِـنـدَ غَيْرِهِمُ كالحنظلِ iiالكَدِرِ

    عِـنـد اللقاءِ وهذا قُدَّ مِنْ حَجَرِ




    نهاية دريد:
    - عاش دريد فترة طويلة وذكره مؤرخي الأدب الجاهلي في معمري العرب، والمشهور أنه قبل مقتله كان قد جاوز المئة سنة بكثير ، بل قال بعضهم أنه بلغ المئتين، وقد عاش دريد حتى هلك كل إخوته وأحبابه ، فقال له أحد قومه يوماً:أسننت وضَعُف جسمك وقُتِل أهلك ولامال لك ولا عُدَّة فعلى أي شيءٍ تعتمد؟ فقال:
    أعاذل إنمـا أفـنى شبـابـي إجابتي الصَّريخ إلى المُنادي
    مع الأبطال حتى كـَلَّ جسمي وأقرحَ عاتـِقي حمـلُ الـنـِّجادِ
    أعاذل إنـه مـالٌ طـريـفٌ أحَـبُّ إليَّ مـن مـال ٍ تِـلاد ِ
    أعاذل عدتي بدني ورمحي وكـل مـقـلـص سلس الـقـيادِ
    ويبقى بعد حلم القوم حلمي ويفنى قـبل زاد الـقـوم زادي
    والمشهور أن هذه الأبيات لخال دريد عمرو بن معديكرب الزبيدي، وهو ربما تمثل بها في هذا الموقف ولاتصح نسبة هذه الأبيات لدريد.

    - أما مقتل دريد فقد ذكرته كتب التاريخ الإسلامي قبل كتب الأدب الجاهلي ؛ لأن دريداً قُتِل مع المشركين مظاهراً للمسلمين في معركة حُنَين ، وقد جاء في تاريخ الطَّبري :
    أنَّه لمَّا سمعت هوازن بفتح مكة جمعها مالك بن عمرو بن عوف النصري، فاجتمعت إليه ثقيفٌ مع هوازن ،ولم يجتمع إليه من قيس إلا هوازن وناسٌ قليل من بني هلال ، وغابت عنها كعبٌ وكلاب، فاجتمعت نصر وجُشَم وسعد وبنو بكر بني هوازن وثقيف واحتشدت، وفي بني جشم (دريد بن الصمة) ، وكان وقتها شيخاً كبيراً أعمى ليس فيه شيءٌ إلاَّ التَّيمُّن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً، واجتمع أمر الناس إلى مالك بن عوف، فلمَّا أجمع مالك المسير حطَّ مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم .
    ولما نزل القوم بأوطاس قال لهم دريد: أين نحن؟ . قالوا: بأوطاس . قال: نِعْم مجال الخيل ليس بالحزن الضَّرس ولا السهل الدَّهس، لكن مالي أسمع رغاء الإبل ونهيق الحمير وثُغاء الشَّاء وبكاء الصغير. قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. فغضب دريد وقال: أين مالك ائتوني به؟! فدعوا مالك، فقال له دريد: يامالك لماذا سُقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؟!. قال مالك : أردت أن أجعل مع كل رجلٍ أهله وماله ليُقاتل عنهم! . فوبخه دريد وقال له: راعي ضأن ٍ والله! وهل يرد المهزوم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل ٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت لهم عليك فُضِحت في أهلك ومالك! ، ثم قال دريد : مافعلت كعبٌ وكلاب؟ ، قالوا: لم يشهدها أحدٌ منهم ، فقال دريد : غاب الحَدُّ والجـِدُّ لو كان يوم علاءٍ ورفعة لم تـَغِب عنه كعبٌ وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم مثل مافعلوا. ثم قال: يامالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً،فارفعهم إلى إلى أعلى بلادهم وعَلياء قومهم ، ثم الق القوم بالرِّجال على متون الخيل ،فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك أحرزت أهلك ومالك ولم تُفضح في حريمك. فقال مالك : لا والله ما أفعل ذلك أبداً ! إنَّك قد خَرِفت وخَرِف رأيك وعلمك! والله لتطيعنني يامعشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتَّى يخرج من ظهري. فقالوا لمالك : أطعناك وعصينا دريداً .فقال دريد : هذا يومٌ لم أشهده ولم أغِب عنه.
    فلما لقيهم جيش المسلمين بقيادة (الرسول صلى الله عليه وسلم) كانوا قد سبقوا المسلمين لموقع المعركة وهو وادٍ ، فكمنوا في مضايقه وشعابه وتجهزوا للمسلمين ثم صدموهم صدمةً قوية ورموهم بالسِّهام ، فهرب أكثر المسلمين، ولكن الله ثبَّت رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وثبت معه أبطال بني هاشم علي بن أبي طالب ، والعباس وابنه الفضل، وأبو سفيان وربيعة ابني الحارث بن عبد المطلب، وثبت معهم أبوبكر وعمر والزبير ،وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن، وقلة من المهاجرين والأنصار ؛ فقيل أن مجموع من ثبت مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يزد عن السبعة عشر رجلاً.
    ثم إن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ومن ثبت معه انحازوا إلى اليمين ، والرسول (صلى الله عليه وسلم )ينادي: " إلى أين أيها الناس؟ هلُمَّ إليَّ،أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله" ، وطمع المشركون في أن يقتلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ومن معه ولكن هيهات!
    وأول ماكان من هزيمة المشركين أن عدا علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه) على فارسٍ مغوار من هوازن كان يحمل رايتهم على مقدم رمحه وكان هذا الفارس قد نكَّل بالمسلمين تنكيلاً شديداً فقتله علي( رضي الله عنه)، ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العباس وكان شديد الصوت فقال له:ياعباس اصرخ يامعشر الأنصار! ياأصحاب السَّمُرة!" ،فصرخ العباس ، فأجابه الأنصار:لبيك! . فاجتمع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قرابة المئة رجل ، فاستقبل بهم القوم وقاتلهم ، فلما رأى النبي ( صلى الله عليه سلم ) شِدَّة القتال قال : " أنا النبي لا كَذِب أنا ابن عبد المطلب، الآن حمي الوطيس" ، وماهو إلا قليل حتى أفاق المسلمون من الصدمة وعاد من الفارِّين عدد كثير ، فدارت الدائرة على المشركين ، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أخذ قبضة ً من تراب الأرض وقال: " شاهت الوجوه "؛ فثار غبارٌ كثيرٌعلى المشركين دخل في عين كُلٍّ منهم وبدأت الهزيمة فيهم ومن ثَمَّ الفِرار.

    أمَّا دريد فكان شيخاً كبيراً أعمى لايقوى على الفرار، وكان ابنه سلمة قد هرب وتركه، فأدرك شابٌّ من المسلمين دريداً فأناخ بعيره ،فقال له دريد: ما أنت فاعل ؟! قال : أقتلك! قال دريد : ومن أنت؟ .قال: أنا ربيعة بن رفيع السُّلمي!. فقال دريد: " فخذ سيفي من مؤخرة رحلي ثم اضربني به، وارفع عن العظام واخفض عن الِّماغ فكذلك كنت أفعل بالرِّجال،ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرُبَّ يومٍ قد منعت فيه نساءك ". فقتله ربيعة ولمَّا عاد إلى أمه أخبرها بالخبر ، فقالت: " سامحك الله يابُنيَّ لقد أعتق قتيلك ثلاثاً من أمهاتك ".
    ثم إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسل في آثار المنهزمين من مشركي هوازن سرِيَّة يقودها الصحابي الجليل أبو عامر الأشعري ( رضي الله عنه ) ، فهزمهم أبوعامر ، ولكن قالوا أن سلمة بن دريد بن الصمة كمن لأبي عامر الأشعري بالليل ثم رماه بالسهام غدراً وهو يصلي فقتله ، فلما طلع الصباح ظفر المسلمون بسلمة فقتلوه.
    وكان لدريد بنت اسمها عمرة شاعرة ، فقالت ترثيه وتذم بني سليم بعد أن علمت أن قاتله منهم :
    لَعَمرك ما خشيت عَلى دريدٍ بِبطنِ سميرة جيشَ العناقِ
    جَزَى عنّا الإلهُ بني سليمٍ وَعقّتهم بِما فعلوا عقاقِ
    وَأَسقانا إِذا سِرنا إِليهم دماءَ خيارهم يومَ التلاقي
    فَربّ عظيمةٍ دافعتَ عَنهم وَقَد بَلغت نفوسهم التراقي
    وَربّ كريمةٍ أعتقت منهم وَأخرى قَد فككت من الوثاقِ
    وَربّ منوّهٍ بك من سليمٍ أَجبت وقد دعاكَ بلا رماقِ
    فكان جزاؤنا منهم عقوقاً وهما ماع منه مخ ساقي
    عفت آثار خيلك بعد أين بذي بقر إلى فيف النهاق



    لماذا تساقط فرسان الجاهلية مثل الورق أمام المدِّ الإسلاميِّ المُبارك؟ :

    000000000000000000000000000000000000
    منقووووووووووووووول 000000000000000000
    [img]http://www.*********/up6/uploads/abfd8dc8ba.gif[/img]

    _________________________________

    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيمـ

  2. #2
      غير محدد  نشط  مميز  
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    1,718
    aboanas ... أشكر لك كتابة هذه المشاركة ..
    المنتدى المسكي .. شذى المسك .. والجليس الصالح

  3. #3
      مسكي  نشط  مميز  
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    5,296
    بارك الله فيك اخي الكريم 00000000000000000

المواضيع المشابهه

  1. ختمة القرآن الكريم بصوت الشيخ فارس العوفي
    By رنيم الخير in forum تسجيلات مختارة
    مشاركة: 0
    آخر مشاركة: 17-10-2008, 20:40:30
  2. نونية القحطاني بصوت القارئ: فارس عباد.
    By السمو in forum تسجيلات مختارة
    مشاركة: 10
    آخر مشاركة: 04-12-2007, 20:59:39
  3. مشاركة: 1
    آخر مشاركة: 02-10-2007, 13:01:12
  4. فارس الأحلام (خاص بالأخوات)
    By مؤمن صالح in forum تسجيلات مختارة
    مشاركة: 8
    آخر مشاركة: 24-07-2007, 14:00:25
  5. فارس الكلمة
    By مغربي in forum مشاركات مفتوحة
    مشاركة: 0
    آخر مشاركة: 13-05-2005, 21:33:42

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •