بسم الله الرحمن الرحيم
نكمل يا أحبتي ما سبق أن بدأته من عنوان المقالة الموسومة ب "درر ابن القيم – رحمه الله – " وقبل البدء في ذكر كلام ابن القيم أطلب من المشرف العزيز طلب أخوي من نقل المقالة إلى القسم الإسلامي فإنه أفضل من وجود المقالة في هذا القسم فقد يكون الكلام مفيد في باب الفقه وتارة يكون الكلام في العقيدة على اختلاف وتنوع النقل فلذلك لا يناسب وجود هذا النقل إلا هناك في القسم الإسلامي فنرجو منه مشكوراً على التفضل بنقل المقالة لا حرم الأجر والمثوبة من الكريم سبحانه.
والآن إلى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وكلامه الذي انتقيته من مقدمه لكتابه" الوابل الصيب من الكلم الطيب (1) " :
"بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله سبحانه وتعالى المسؤل المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهره وباطنه، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه وشكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دُنياه وأُخراه، ولا ينفك عبد عنها أبداً، فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث:
الأول: نعم من الله تعالى تترادف عليه، فقيدها الشكر. وهو مبني على ثلاثة أركان: الإعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها، فإذا فعل ذلك فقد شكرها (2) .
الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها الصبر والتسلي.
والصبر: حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم، وشق الثياب، ونتف الشعر، ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمحتن صبره وعبوديته (3)، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء، كما له عبودية في السراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، فيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبوديتين.
فمن كان عبداً لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ))[الزمر:36]، وفي القراءة الأخرى: ((عباده)) (4) وهما سواء؛ لأن المفرد المضاف، فيعم عموم الجمع، فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" انتهى كلامه رحمه الله .
*********
من فوائد كلامه – رحمه الله - :
1- عادة العلماء في تأليفهم لكتبهم البدء ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداء بالكتاب العزيز ومكاتبات النبي – صلى الله عليه وسلم – للمملوك.
2- الدعاء لمن يقرأ كتابه هذا وهذا أسلوب للتعليم والدعوة، وينبغي لأحبتي ولطلبة العلم والدعاة أن يحرصوا على هذا الأمر وأن يولوه اهتمامهم فله الأثر البليغ في المتلقي وهذا أمرٌ ملاحظ.
3- أحوال الإنسان في هذه الدنيا حول هذه الأطباق الثلاث فإما بين نعمة أو بلاء أو ذنب ولقد عالج هذه الأمور بثلاث أخر: الشكر – والصبر – والإستغفار.
4- أركان الشكر ثلاثة: أ- الإعتراف بها باطناً. ب- والتحدث بها ظاهراً. ج- وتصريفها في مرضاة الله سبحانه.
ثم حتى يكتمل الصبر لابد من ثلاثة أمور: أ- حبس النفس عن التسخط. بالمقدور. ب- وحبس اللسان عن الشكوى. ج- وحبس الجوارح عن المعصية ومَثّل على ذلك باللطم وشق الثياب ودليله ما في صحيح البخاري وأحمد عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه -:"ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ".
5-العبودية قد تكون في السراء وأكثر العباد على ذلك، وتكون في العبودية أيضاً في المكاره وهنا تفاوت العباد كما قال - رحمه الله – وهنا مسألة إيمانية وفيها تربية للنفس ألا وهي اعلموا يا أحبتي أن مجاهدة النفس على ترك المعاصية وهي قادرة على فعلها، وكذلك فعل الطاعة في وقت شديد ويصعب على النفس فيه فعل الطاعة لخمول أو كسل أو تهاون أو إنشغال والنفس قد تكون متململة من فعل الطاعة أقول أنه يكون صعباً في البداية ولكن في نهاية الأمر تكون الأمور مشرقة كما قالوا، والله سبحانه وتعالى يقول: (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ))[العنكبوت:69] وكما في صحيح البخاري وعند أبي داود والترمذي – رحمهم الله جميعاً - من رواية أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -:"إن ناساً من الأنصار، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومنيتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" والشاهد من الحديث قوله:"ومن يتصبر يصبره الله " فكم نحن يا أحبتي محتاجون للصبر في حياتنا كلها، في الصبر على الطاعة والثبات على ذلك والصبر عن المعصية والبعد عنها وعن مواطنها، والصبر على مايقدره الله على النفس.
6- أن الكفاية من الله سبحانه للعبد في جميع أموره تكون بـأن تكون عبداً لله في الحالتين حالة المحبوب وحالة المكروه قائماً بحقه الله في الحالتين، عندئذٍ يرجى له أن يكون ممن قال الله فيه: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ))[الزمر:36].
7- يلاحظ في كتاب ابن القيم الوابل الصيب تسلسل كلامه، فقد لم يتسنى لي نقل البقية من كلامه ولكن "مالم يدرك كله لا يترك جله" ولعل فيه النفع.
هذا ما أردت تحريره وكتابته وما تيسر بحثه وكما قال صاحب التحفة: (5)
أرجو به أن ينفع الطلابا
والأجر والقبول والثوابا
وأسأل الله أن ينفع أحبتي وإخواني المسلمين والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصبحه وسلم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوابل الصيب من الكلم الطيب ط/ دار التقوى، مع العلم أن أفضل طبعة لنفس الكتاب هي طبعة عالم الفوائد فليحرص عليها لأن لعالم الفوائد مشروع في إخراج كتب ابن القيم – رحمه الله – بإشراف متخصصين وعلى رأسهم شيخنا – بكر أو زيد – رحمه الله – ولا أعلم هل أتموا المشروع أم لا؟ ولكني اطلعت على نسخة الوابل الصيب لنفس ادار النشر وهي أفضل ما وجدت.
2- مصداقاً لقوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ))[لقمان:20]
3-ودليله قوله جل وعلا: (( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ))[النساء:147].
4- وهي قراءة صحيحة متواترة، قرأ بها حمزة، والكسائي، انظر النشر في القراءات العشر (2/362) وإتحاف فضلاء البشر (2/429).
5- تحفة الأطفال لصاحبها سليمان بن حسين بن محمد بن شلبي الجمزوري - رحمه الله - .